أدب وثقافةقصص قصيرة

رقم ثمانية. قصة قصيرة بقلم / سمية جمعة

مع قراءة نقدية موجزة

رقم ثمانية.

 بقلم سمية جمعة

 

المكانُ ضيّقٌ…بالكادِ يتّسعُ لجسدِها المتكوّرِ في زاويةٍ معتمة.

لمَّت شتاتَ ثيابِها المهترئة، وأطبقتْ يديها على عينيها كمن يحاول الاختفاء من العالم.

ركلةٌ واحدةٌ كانت كافيةً لتقذفَها إلى آخرِ شبرٍ في الغرفة.

ضجيجٌ يتداخلُ مع أنفاسٍ مرهقة…

صرخاتٌ، أوامرُ متلاحقة، وقعُ أقدامٍ غليظة…

لكنّها لم تعِ ما الذي يحدث.

جرّت قدميها ببطء.

كانت معدتُها خاويةً منذ ثلاثة أيام.

حبّةُ بطاطا مسلوقة، وكسرةُ خبزٍ يابسٍ أصغرُ من راحة اليد، لم تكونا إلا وقودً الجوعٍ أشدّ.

عيناها الشاردتان تجوسان الوجوه المرهقة،

تلاحقان طوابير النسوة المصطفّات أمام قدرٍ ضخمٍ يغلي ببخارٍ شحيح.

الأيدي تمتدّ…تتدافع…تتصارع.

والأقوى تنال حصتها أولًا.

كلُّ يدٍ تصطدمُ بأخرى،

وكلُّ عينٍ معلّقةٌ بلقمةٍ قد لا تصل.

حاولت أن تستعيد ملامح ذلك اليوم…

ذلك اليوم الذي بدأ عاديًا،

وانتهى بأن سُحبت من عالمها إلى هنا.

في تلك الليلة توضّأت…

صلّت…

ثم نامت على قرارٍ لم تكن تدرك أنّه سيغيّر حياتها إلى الأبد.

العودة إلى المشفى لم تكن عودةً للعمل،

بل كانت ذهابًا إلى قدرٍ لم تتخيّله.

كما كان قدرها قبل أيام أن تكون بين الجراح النازفة…

جراحُ من؟

ودماءُ من؟

لم يكن يهم.

ما كان يهمّ فقط…

أنّها كانت ترتقي فوهات الدم،

تحاول سدَّ النزيف بما بقي في قلبها من رحمة.

القدر جعلها هناك…

والقدر رماها هنا.

فجأةً،دوّى صوتٌ جهوريٌّ مرعب، كعواء ذئبٍ في ليلٍ موحش:

— “ثمانية!”

تردّد الصوت في الفراغ.

— “ثمانية…ثمانية!”

ارتجف شيءٌ في داخلها.

لكنها لم تستطع الإجابة.

ازدحمت الأسئلة في رأسها:

يا الله…أين أنا؟

من هؤلاء؟

ولماذا أنا هنا؟

لكنّ الجواب الوحيد الذي وصلها كان رقمًا:

ثمانية.

ترددت الكلمة في داخلها.

لكنه ليس اسمًا…

أين اسمي؟

قبضةٌ خشنة أمسكت بذراعها،

وجرّتها إلى غرفة باردةٍ كأنها بلا روح.

هناك…

كان الضابط يقف.

وجهٌ متجهّم،

وصوتٌ قاسٍ يخترق المسافة بينهما:

— “اهدئي…مجرد بضعة أسئلة، وسينتهي كل شيء.”

رفع قائمة ورقية أمامه، وبدأ يقرأ:

“قتيبة محمد…

محمد محمد…

ياسر محمد…”

هزّت رأسها بالنفي.

كان قلبها يدقّ كطبولٍ مذعورة.

ضاق حاجباه.

اقترب منها قليلًا،

وبصوتٍ هادئٍ، لكنه محمّلٌ بالغضب قال:

— “ألا تعرفين أبناء عمّك؟!”

هزّت رأسها بالنفي مرة أخرى.

اقترب أكثر.

— “سأعيد السؤال بطريقة أخرى…

أين كنتِ عندما تسلّل الأوغاد؟”

خرج صوتها بصعوبة:

— “في البيت…”

قطّ بجبينه.

— “أنت تعلمين ما أقصد.”

صفعةٌ قوية أفقدتها توازنها.

ارتطم جسدها بالأرضية الصلبة.

صرخ:

— “ارفعوها!”

أمسكها اثنان وأوقفاها بصعوبة.

عاد يحدّق فيها بعينين قاتمتين:

— “كنتم في المشفى…وساعدتم الداخلين،أليس كذلك؟”

داخلها كان الخوف يتضخّم كظلٍّ يبتلع الضوء.

لكن في عمقها…

كانت هناك فكرة أخرى.

همست لنفسها بصمتٍ:

الحمد لله…

لم يسألني عن حمزة.

حمزة…

تركة أمي الأخيرة.

أنا له الأم…

وأنا له الأخت.

ارتاحت لحظةً…

لأنّ يد القدر لم تمتدّ إليه بعد.

لكنّ الضابط لم يمنحها وقتًا لالتقاط أنفاسها.

ضرب الطاولة بيده.

— “لا تكذبي!”

ثم دفع الورقة نحوها.

— “انظري إلى هذه القائمة…

وقّعي هنا.”

نظرت إلى الورقة…

لكنها لم ترَ شيئًا.

العالم صار ضبابًا.

الوجوهُ مشوّشة.

الأصوات تتلاشى.

كلُّ شيءٍ كان جاهزًا…

لا ينقصه إلا توقيعها.

—–قراءة نقدية موجزة—–

 

تتحرك قصة «رقم ثمانية» للكاتبة “سمية جمعة” في منطقة تخومية صعبة، يتقاطع الفراغ المادي القسري مع الامتلاء النفسي بالفجيعة. منذ قراءة السطور الأولى شعرت أنها قصة حقيقية واقعية متشبعة بشحنات من شجن.

يبدأ البناء الحكائي من بؤرة مغلقة وهي الزاوية المعتمة، متخذاً من الجسد المتكور علامة أو رمزية أولية على الاستلباب المكاني، وقبل أن يتوسّع ببطء عبر تقنية الاسترجاع ونحو المشفى، رأيت أنه ليس بوصفه فضاءً للشفاء، وإنما ظهرت هذه باعتبارها نقطة عبور. هذا التحول من أداء مهنة التطبيب وسط فوهات الدم إلى تهمة محتملة يمثل اشتغالًا نقديًا ذكيًا على تآكل المعنى الإنساني, وتحول التعاطف البشري إلى قرينة اتهام في عقلية المؤسسة الأمنية.

على مستوى البناء السردي، تتكئ الكاتبة “سمية جمعة” على إيقاع لغوي دقيق يرفض الثرثرة، متوخية اقتصادًا صارمًا يحول المفردات إلى كتل شعورية وشعائرية خافتة.

وتظهر ثنائية الجسد واللغة عبر انتقال النداء من الاسم الغائب إلى الرقم (ثمانية)، وهي اللحظة التي يكتمل فيها مسار “التشئيء” أو نزع الشخصية.

الرقم هنا هو أداة لاجتثاث التاريخ الشخصي وليس مجرد رمز إداري. بدا وكأنه محو للذاكرة، وتعليق الكائن في فراغ التجريد المطلق.

تقابل هذه الآلية القاسية مناجاة داخلية هادئة متمثلة في حضور (حمزة)، وهي التيمة التي تنقذ النص من الانزلاق إلى العدمية الخالصة؛ فحمزة هو الامتداد الرمزي للأمومة والتركة البشرية التي تقاوم السحق بالذاكرة الحنونة وسط مناخ الصفعة وقسوة الترهيب والقائمة الورقية التي تحمل أسماء إلا اسمه.

تتضح روح الكاتبة في انحيازها الأخلاقي والوجداني للإنسان المهزوم مؤقتًا لكن الرافض للاستسلام الداخلي، متجليًا ذلك في تآكل الحواس تدريجيًا في الخاتمة وصولًا إلى الضبابية البصرية التي تحيط بالعالم. وهذا الضباب ليس عجزًا إدراكيً وإنما أراه استجابة دفاعية للجهاز العصبي والنفسي أمام لحظة الإلغاء القصوى والمتمثلة في التوقيع القسري على قائمة غير مرئية.

لغة النص محمولة بمعجم يزاوج بين الحسي المباشر “ركلة، ضجيج، أقدام غليظة، طابور القدر” والنفسي العميق “ظل يبتلع الضوء، طبول مذعورة، تركة أمي”، ما يمنح السرد عمقًا أكاديميًا يذكر بتقنيات القصة القصيرة الحديثة التي تكتفي بالومضة العالية وترك المعاني الصامتة أن تؤول عنه أثقل من المنطوق.

خلاصة نقدية

النص نموذج مصغر للقصة القصيرة المكثفة، يشتغل بوعي على أنسنة الألم وإدانة التجريد, لغته وموسيقاها الداخلية متأتية بالخوف والترقب، بينما خاتمته المفتوحة على الضباب تحمل إدانة صامتة وعميقة لمصائر تدون بقوائم أحياء مرقمة وأخرى بأسماء لكنهم… أموات.

زر الذهاب إلى الأعلى