قصص قصيرة

رواية: ١٣ أغسطس بقلم: [محمود سعيد برغش]

رواية: ١٣ أغسطس بقلم: [محمود سعيد برغش]

رواية: ١٣ أغسطس

 

بقلم: [محمود سعيد برغش]

 

 

المقدمة

 

هنالك تواريخ لا تُنسى، لا لأن فيها فرحًا أو حزنًا… بل لأنها تظل عالقة في القلب، تنبض في كل لحظة كجرح لا يلتئم.

 

بالنسبة لسالم، لم يكن الثالث عشر من أغسطس مجرد رقم. بل لعنة.

 

كلما دق هذا التاريخ على أبواب حياته، دخلت معه رياح التغيير، وأحيانًا… الموت.

 

 

الفصل الأول: صورة من الماضي

 

كان المكتب هادئًا على غير العادة. ضوء شاشة الحاسوب يعكس ظل سالم على الجدران، بينما هو منغمس في قراءة تقرير عن قضية فساد في أحد المستشفيات الحكومية. القهوة بردت منذ ساعة، لكنه لم ينتبه.

 

رنّ إشعار جديد في بريده الإلكتروني. مرسل مجهول.

 

العنوان: “سُمى لم تهرب”.

 

فتح الرسالة بسرعة، وقلبه ينبض في صدره كطبول الحرب.

 

بداخل الرسالة، صورة.

 

كانت الصورة لفتاة في الخامسة عشرة من عمرها، ترتدي نفس الثوب المدرسي الذي كانت ترتديه شقيقته سُمى يوم اختفائها.

 

الخلفية: مبنى قديم، مهجور. التاريخ: اليوم. ١٣ أغسطس.

 

رفع رأسه ببطء. الغرفة بدت أضيق، الهواء أثقل. لقد مرّ خمسة عشر عامًا على اختفاء أخته، والكل صدّق رواية الشرطة: “هاربة”. لكن هو؟ لا. لم يصدق.

 

والآن، ها هو يتلقى هذه الصورة في اليوم ذاته من العام، من مجهول، بصورة حديثة تحمل ماضيه الثقيل.

 

لم يتردد. أمسك مفاتيحه، هاتفه، وخرج مسرعًا من المكتب. وجهته: الحيّ القديم… حيث المبنى الذي بدا في الصورة.

 

وصل بعد غروب الشمس بدقائق. المكان كما هو في الصورة: نوافذ مكسورة، باب حديدي متآكل، ولا أثر للحياة.

 

دفع الباب، فصدر منه صرير حاد اخترق سكون الليل. دخل ببطء، متوجسًا، حذِرًا.

 

ثم سمع الصوت. بكاء. ناعم، مرتجف، أنثوي.

 

“سُمى؟” نطق باسمها لأول مرة منذ سنين بصوت مرتعش.

 

ظهر ظل فتاة في نهاية الممر. اقترب بخطوات ثقيلة، قلبه يوشك أن يتوقف.

 

كانت فتاة تشبه أخته تمامًا… لكنها أصغر.

 

“أنت سالم؟” سألت بنبرة خافتة.

 

“من أنتي؟!” سأل، والذهول يغمر ملامحه.

 

قالت: “أنا ابنة سُمى… وقد حان الوقت تعرف الحقيقة.”

 

 

الفصل الثاني: نصف الحقيقة

 

سالم كان لا يزال عاجزًا عن التصديق. كيف يمكن أن تكون هذه الفتاة ابنة سُمى؟ كيف ولماذا؟ وأين كانت طوال تلك السنين؟

 

قالت الفتاة، واسمها ليان، إنها تعيش مع امرأة عجوز تُدعى حمدة، في مزرعة بعيدة عن المدينة. وقد أخبرتها منذ شهرين فقط أنها ليست حفيدتها، بل ابنة فتاة شابة ظهرت يوماً في المزرعة، مريضة وحامل، وهاربة.

 

لم تستطع حمدة إنقاذ سُمى، التي ماتت أثناء الولادة، لكنّها وعدتها قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة أن تحمي طفلتها. ولم تخبر أحدًا بالحقيقة، لا أهلها ولا الشرطة، خوفًا من فضيحة قد تطال الجميع.

 

سالم شعر بغضب شديد، ودموعه تنهمر. أختُه لم تهرب، بل كانت ضحية. لكن من هو والد ليان؟

 

قالت ليان إن حمدة احتفظت بدفتر صغير كتبته سُمى خلال أشهر حملها… كان فيه كل شيء.

 

 

الفصل الثالث: الدفتر الأسود

 

في اليوم التالي، أخذت ليان سالم إلى المزرعة. كانت معزولة، مهجورة تقريبًا. في غرفة صغيرة مظلمة، ناولته حمدة دفتراً جلدياً قديماً، بغلاف ممزق.

 

فتحه سالم بيدين مرتجفتين.

 

“أنا خائفة… أشعر أنني مراقبة في كل مكان أذهب إليه. الشخص الذي وثقت به، خانني. إنه ليس كما ظننته… إنه ليس إنسانًا.”

 

صفحات كثيرة كتبت فيها سُمى عن علاقتها بشخص يُدعى “مالك”. شاب في بداية الثلاثينات، كان يعمل مدرسًا متطوعًا في منطقتها. بدا لطيفًا، محبًا، حتى خدعها.

 

أغراها بكلمات العشق، ثم خدّرها ذات ليلة.

 

استيقظت في كوخ غريب لا تعرفه، ولم تره بعدها.

 

حاولت العودة للمنزل، لكنها شعرت بالعار والخوف. ثم بدأت أعراض الحمل تظهر. كانت في الخامسة عشرة.

 

وهربت.

 

 

الفصل الرابع: مواجهة الماضي

 

سالم قرر البحث عن مالك.

 

بعد بحث طويل، وجده يعمل الآن مديرًا لإحدى المدارس الخاصة، وله سمعة طيبة في المجتمع. متزوج، وله أطفال.

 

واجهه سالم بالحقيقة. مالك أنكر، ثم ارتبك، ثم صمت.

 

قال أخيرًا: “كل هذا مضى عليه سنوات… كنت صغيرًا وأحمق. لم أقصد أن…”

 

قاطعه سالم بغضب: “قتلتها!”

 

رفع سالم قضية ضده، وبدأت الصحف تشتعل بالقصة. لكن لم يكن هناك دليل قانوني كافٍ.

 

القضية تحولت إلى قضية رأي عام.

 

 

الفصل الخامس: ١٣ أغسطس الأخير

 

مرّ عام على اكتشاف الحقيقة.

 

ليان بدأت الدراسة الجامعية، وسالم أصبح وصيها الشرعي.

 

لكن في الثالث عشر من أغسطس التالي، تلقى سالم رسالة جديدة.

 

كانت صورة… لكنها هذه المرة له، وهو يدفن شيئًا في مزرعة حمدة.

 

الرسالة تقول: “العدالة لم تكتمل. أنت تعرف أن هناك من ساعد مالك.”

 

وبدأت الخيوط تتكشّف.

 

كانت هناك شبكة سرية من رجال ذوي نفوذ تستروا على جرائم كثيرة، ومالك واحد فقط منهم.

 

سالم قرر كشفهم جميعًا.

 

 

الفصل الأخير: العدالة الكاملة

 

بعد سنوات من النضال، والتعرض للتهديد، وحتى محاولة اغتيال فاشلة، تمكن سالم من فضح الشبكة بأكملها.

 

نُشرت القصة في كتاب، وحملت عنوان: “١٣ أغسطس”.

 

ذلك التاريخ، الذي بدأ فيه الألم… هو ذاته الذي انتهى فيه الصمت.

 

ووقفت ليان في حفل توقيع الكتاب، تبكي… لكنها هذه المرة، دموع نصر.

 

 

النهاية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى