مقالات

عبء الليل فوق رؤوس المقاتلين

عبء الليل فوق رؤوس المقاتلين

عبء الليل فوق رؤوس المقاتلين

بقلم/نشأت البسيوني

 

في كل مرة يعتقد فيها العالم أن الحرب وصلت إلى ذروتها تنفتح دورة جديدة كأن النار تجد دائما طريقا آخر لتعيد إشعال نفسها اخر

الدورات ليست مجرد تغير في التكتيكات ولا تبديل في مواقع الجنود لكنها ملامح عهد جديد يصاغ تحت العصف والدم وتحت سماء لا تهدأ طائراتها ولا ترتاح سحب دخانها في الخطوط الأمامية يتحرك المقاتلون كأنهم يحملون الليل فوق أكتافهم ليس لأن الظلام

 

كثيف بل لأن الخوف أعمق من كل ضوء رجل يمشي وهو يسمع خلفه خطوات من رحلوا قبل أن يكملوا الطريق وآخر يربط خوذته كأنه يربط آخر خيط بينه وبين الحياة وثالث يبتسم رغم كل شيء لأنه تعلم أن الابتسامة في الحرب ليست رفاهية بل حماية من الانهيار تتشابك الاصوات في الجبهة صوت قذيفة تعلن بداية جولة جديدة وصوت قلب يبحث عن سبب واحد يجعله يتمسك بالغد

 

وصوت الأرض وهي ترتج تحت ثقل الدبابات وكأنها تكتب تاريخا جديدا بحروف من نار وركام اخر الدورات تكشف أن الميدان لا يعرف الرحمة وأن الجغرافيا حين تحترق تفقد كل انتماء وتتحول إلى سؤال واحد من سيبقى ومن سيمحى ورغم أن العالم يشاهد من خلف الشاشات يحلل ويتجادل ويقارن لا أحد يرى ما يراه من يركض بين الخنادق هؤلاء الذين يحفظون شكل الغبار حين يهب

 

بعد الانفجار ويحفظون صوت الرفيق حين يسقط للمرة الاخيرة ويحفظون رائحة الليل حين يصبح ثقيلا كأنه قدر مكتوب لا مهرب منه كل دورة في الحرب تشبه كتابا جديدا يبدأ من الصفحة الاخيرة ولا ينتهي ابدا صفحة عنوانها الخسارة وفصولها موزعة بين الأمل الذي يصر على البقاء والوجع الذي يمد ظله فوق كل شيء وفي كل مرة يظن فيها المقاتل أن قلبه أصبح أقسى يجد نفسه يرتجف أمام

 

ذكرى صغيرة أو اسم ناداه به أحدهم يوما قبل أن يغيب العالم قد ينسى لكنه لا يرى أن كل هدنة مؤقتة تحتوي في داخلها بذرة جولة أخرى وأن الطريق إلى السلام أطول مما يتخيل الجميع وأن القلوب التي تتعرض لهذا الكم من النار لا تعود كما كانت مهما حاولت اخر الدورات تعلم أن الحرب لا تنتهي حين يهدأ الصوت بل حين يتوقف الداخل عن الارتعاش وهذا ما لا يحدث بسهولة يبقى الليل ثقيلا

 

فوق رؤوس المقاتلين لكنهم رغم ذلك يرفعون وجوههم نحو فجر محتمل كأنهم يراهنون على ضوء بسيط يستطيع أن يكسر هذا الظلام مهما كان كثيفا وكأنهم يؤمنون أن كل حرب مهما طال ليلها لابد أن تتعب في النهاية وتفسح الطريق لسلام لم يولد بعد

زر الذهاب إلى الأعلى