مقالاتمنوعات

عندما تغيب القيم تشتعل النيران في المجتمع

 

من هنا نبدأ…

عندما تغيب القيم تشتعل النيران في المجتمع

 

د.م. مدحت يوسف

في وسط هذا الزخم المجتمعي الهائل وفي ظل سيل متدفق من القضايا والأحداث التي تتصدر وسائل التواصل الاجتماعي كل يوم أصبح من الضروري أن نتوقف قليلا أمام سؤال بالغ الأهمية

ما الذي يجمع بين كثير من الأزمات التي نراها من حولنا

قد تختلف الوقائع وتتعدد الأماكن والأشخاص لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن هناك خيطا واحدا يربط بين كثير من هذه الأحداث وهو تراجع القيم والأخلاق والمبادئ التي كانت تمثل في الماضي حصن المجتمع المنيع وسياجه الذي يحفظ أمنه واستقراره.

فعندما نتابع ما يثار يوميا على وسائل التواصل الاجتماعي نجد أن كثيرا من القضايا لم تعد تترك للجهات المختصة لتأخذ مسارها الطبيعي بل أصبحت تتحول إلى ساحات مفتوحة للاتهامات والجدل وإصدار الأحكام المسبقة. وأصبح البعض يسارع إلى عرض الوقائع أو الادعاءات أمام الرأي العام قبل ظهور الحقيقة كاملة وقبل انتهاء التحقيقات.

ومن الأمثلة التي شغلت المجتمع مؤخرا ما أثير حول إحدى الوقائع داخل أحد المستشفيات وما تبعها من ادعاءات وتصريحات متبادلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وبعيدا عن نتائج التحقيقات فإننا أمام أزمة أخلاقية واضحة. فإذا كانت الوقائع المتداولة قد حدثت بالفعل فذلك يمثل خروجا على القيم المهنية والإنسانية التي يجب أن تحكم أي مؤسسة تحترم رسالتها. وإذا لم تثبت تلك الوقائع فإن نشرها بهذه الصورة وتحويلها إلى قضية رأي عام قبل انتهاء الإجراءات الرسمية يمثل هو الآخر سلوكا يفتقد إلى الحكمة والمسؤولية ويؤدي إلى إرباك المجتمع وإثارة البلبلة والإضرار بأشخاص ومؤسسات ربما تكون بريئة. وفي الحالتين فإن الخاسر الأكبر هو المجتمع الذي يحتاج إلى الطمأنينة والثقة لا إلى الفوضى والاضطراب.

وعندما نرى ما تم تداوله من وقائع تتعلق بإشعال النيران في سيارة إحدى المسؤولات بإحدى الوحدات المحلية فإننا لا نتحدث فقط عن مخالفة قانونية بل عن حالة من الجحود الأخلاقي وتراجع قيم الاحترام والتعايش. فكيف يمكن أن يصل الخلاف أو الغضب إلى الاعتداء على ممتلكات الآخرين أو السعي إلى إيذائهم. إن مثل هذه الأفعال تكشف عن أزمة أعمق من مجرد مخالفة للقانون.

والأشد إيلاما ما يتم تداوله من وقائع تتعلق بإشعال النيران في إنسان أمام أعين الناس. إن مجرد تصور هذا المشهد كفيل بأن يدفعنا إلى مراجعة أنفسنا ومراجعة واقعنا الأخلاقي. فكيف يمكن أن يتجرد إنسان من الرحمة إلى هذا الحد وكيف يمكن أن يتحول الغضب أو الانتقام إلى فعل يهدد حياة إنسان آخر. إن هذه ليست أزمة قانون فقط بل أزمة ضمير وأزمة أخلاق وأزمة قيم. فالدين والأعراف الإنسانية السليمة كلها تدعو إلى حفظ النفس وصيانة الكرامة واحترام الإنسان مهما كانت الخلافات والأسباب.

وعندما تتحول امتحانات الثانوية العامة كل عام إلى حالة استنفار قصوى وتوضع الإجراءات المشددة لمواجهة الغش والتسريب وكأننا نستعد لمعركة كبرى فإن السؤال الحقيقي ليس عن عدد المراقبين ولا عن حجم التأمين وإنما عن سبب غياب القناعة لدى البعض بأن الغش حرام وأن النجاح الذي يبنى على الخداع لا قيمة له مهما كانت نتائجه.

كما أن ما نشاهده يوميا من نزاعات أسرية وخلافات مالية ومشكلات بين الجيران وقضايا التشهير والابتزاز الإلكتروني والاعتداء اللفظي عبر المنصات المختلفة كلها شواهد تؤكد أن الخلل الحقيقي يكمن في تراجع منظومة القيم والأخلاق.

ولو نظرنا إلى المحاكم لوجدنا آلاف القضايا التي تثقل كاهل القضاء وتستهلك جهود الجميع. كثير من هذه القضايا لم يكن ليصل إلى ساحات العدالة لو تحلى الناس بالأمانة والصدق واحترام الحقوق. بل إن الواقع المؤلم يؤكد أن كثيرا من الأبرياء دخلوا السجون نتيجة شهادات زور أو بلاغات كيدية أو ممارسات تفتقد إلى الضمير بينما يوجد في المقابل كثير من المفسدين خارج السجون يواصلون الإفساد بأشكال مختلفة. وهذه واحدة من أخطر نتائج انهيار القيم عندما يصبح الحق ضعيفا ويصبح الباطل قادرا على التخفي والتلون.

ومن المؤسف أيضا أن بعض صور الفساد الإداري والوظيفي التي نراها اليوم لا ترجع دائما إلى ضعف الأنظمة وإنما إلى ضعف الضمير. فالموظف الذي لا يؤدي عمله بإخلاص والمسؤول الذي لا يتحرك إلا تحت ضغط والشخص الذي يسعى إلى تحقيق مصالحه على حساب الآخرين جميعهم يشتركون في أزمة واحدة هي أزمة القيم.

إن القوانين والأنظمة مهما بلغت قوتها لا تستطيع وحدها بناء مجتمع صالح. فالقانون يعاقب على الخطأ بعد وقوعه أما الأخلاق فتمنع وقوع الخطأ من الأصل. والقاضي يستطيع أن يفصل في النزاعات لكنه لا يستطيع أن يزرع الأمانة في النفوس أو الصدق في القلوب.

ولهذا فإن علاج هذه المشكلات لا يبدأ من المحاكم وحدها ولا من العقوبات فقط بل يبدأ من الجذور الحقيقية. يبدأ من الأسرة التي تغرس القيم في أبنائها ويبدأ من المدرسة التي تبني الإنسان قبل أن تعلمه ويبدأ من المعلم الذي يمثل القدوة قبل أن يكون ناقلا للمعلومة.

نحتاج إلى معلم يغرس في طلابه أن الغش حرام وأن الكذب ضعف وأن الأمانة شرف وأن احترام الآخرين قيمة لا يمكن التنازل عنها. نحتاج إلى جيل يدخل الطب والهندسة والقضاء والإعلام والإدارة والتجارة وهو يحمل أخلاقيات مهنته قبل أن يحمل شهادتها.

كما أن الإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية والاجتماعية تتحمل مسؤولية كبيرة في ترسيخ هذه المبادئ. فالكلمة أمانة والرسالة مسؤولية ومن يملك التأثير في الناس عليه أن يكون نموذجا للقيم لا وسيلة لهدمها.

إن ما نحتاجه اليوم ليس فقط مزيدا من القوانين أو العقوبات بل نحتاج إلى ثورة أخلاقية حقيقية تبدأ من داخل كل فرد. ثورة تعيد للصدق مكانته وللأمانة قيمتها وللاحترام هيبته وللرحمة حضورها في حياتنا اليومية.

نحتاج أن نعود إلى تعاليم ديننا السمحة وإلى القيم التي تربى عليها آباؤنا وأمهاتنا وإلى أخلاقيات المجتمعات الأصيلة التي كانت تجعل الكلمة عهدا والحق أمانة والضمير حكما قبل أي قانون.

فالحقيقة التي يجب أن ندركها جميعا أن الحياة بلا قيم لا قيمة لها وأن المجتمع الذي يفقد أخلاقه يفقد جزءا كبيرا من أمنه واستقراره مهما امتلك من قوانين وأنظمة. وإذا أردنا مستقبلا أفضل لأبنائنا فعلينا أن نبدأ بإصلاح الإنسان لأن إصلاح الضمير هو الطريق الأقصر لإصلاح المجتمع.

إن معركة هذا العصر ليست معركة اقتصاد أو تكنولوجيا فقط بل هي معركة قيم وأخلاق. فإذا انتصرت القيم انتصر المجتمع وإذا انتصرت الأخلاق ساد العدل والأمان وإذا ضاعت القيم تحول المجتمع إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف ويضيع فيها الحق بين الضجيج والصراخ.

إننا لا نحتاج إلى ثورة في الشوارع بقدر ما نحتاج إلى ثورة في الضمائر. ثورة تعيد للإنسان إنسانيته وللمجتمع توازنه وللوطن استقراره. فالأوطان لا تحميها القوانين وحدها بل تحميها الأخلاق التي تجعل الناس يحترمون القانون حتى في غياب الرقيب.

زر الذهاب إلى الأعلى