مقالاتمنوعات

عندما يصبح المال طريقًا إلى الطب… ويصبح التفوق طريقًا إلى التمريض

عندما يصبح المال طريقًا إلى الطب…

ويصبح التفوق طريقًا إلى التمريض

 

كتب / ممدوح عكاشة

من أكثر القضايا التي تستحق أن نتوقف أمامها بجدية في منظومة التعليم الجامعي، قضية العدالة بين التفوق الدراسي والقدرة المالية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمهن التي تمس حياة الإنسان بصورة مباشرة، وفي مقدمتها مهنة الطب.

تخيلوا طالبًا لم يحصل على مجموع يؤهله للالتحاق بكلية الطب الحكومية، لكنه يمتلك القدرة المالية التي تمكن أسرته من دفع مصروفات كلية طب خاصة، فيلتحق بها ويمضي سنوات الدراسة حتى يتخرج طبيبًا.

وفي المقابل، طالب آخر حصل على مجموع مرتفع للغاية، وكان يفصله عن الحد الأدنى للقبول بكلية الطب الحكومية درجة واحدة أو درجة ونصف فقط، لكنه ينتمي إلى أسرة محدودة الدخل، فلا يستطيع تحمل مصروفات الطب الخاص، فيضطر إلى الالتحاق بكلية التمريض أو غيرها من الكليات المتاحة أمامه.

هنا يطرح المجتمع سؤالًا مشروعًا:

هل القدرة المالية يجب أن تكون هي الفاصل بين من يمارس مهنة الطب ومن يعمل في مهنة التمريض؟

نحن لا ننتقص من خريجي كليات الطب الخاصة، ولا من قيمة التعليم الخاص، ولا نقول إن كل طبيب خريج جامعة خاصة غير مؤهل. فهناك بالتأكيد طلاب مجتهدون وأطباء أكفاء تخرجوا من جامعات خاصة.

لكن القضية التي تستحق النقاش هي ضمان الكفاءة المهنية بغض النظر عن اسم الجامعة أو قدرة الأسرة المالية.

فالطب ليس مجرد شهادة جامعية أو لقب «طبيب»، وإنما مسؤولية عن حياة الإنسان، وأي خلل في مستوى الكفاءة قد تكون عواقبه جسيمة.

والأمر نفسه ينطبق على التمريض؛ فالممرض ليس مجرد شخص يعمل تحت أوامر الطبيب، بل هو عنصر أساسي في المنظومة الصحية، وله دور مهني وعلمي ومسؤوليات مباشرة تجاه المريض.

لذلك لا ينبغي أن تتحول ظروف الطالب الاقتصادية إلى معيار غير مباشر لتحديد مكانته المهنية، بحيث يجد المتفوق نفسه في مهنة لم يكن يطمح إليها بسبب ظروفه المالية، بينما يستطيع طالب حصل على مجموع أقل أن يصل إلى كلية الطب لأنه يمتلك القدرة على دفع المصروفات.

المطلوب ليس إلغاء التعليم الخاص… وإنما ضمان الكفاءة

إذا كانت الدولة تسمح بوجود كليات طب خاصة وأهلية، فإن المطلوب أن يكون هناك اختبار مهني وطني موحد للكفاءة قبل السماح للخريج بممارسة المهنة أو الالتحاق بالوظائف الطبية الحكومية.

ويجب أن يقيس الاختبار بصورة حقيقية:

المعلومات الطبية الأساسية.

القدرة على التشخيص واتخاذ القرار في المواقف المهنية.

أخلاقيات المهنة.

التعامل الآمن مع المريض.

المهارات الإكلينيكية الأساسية.

الالتزام بالبروتوكولات والمعايير الطبية المعتمدة.

وبذلك يصبح اسم الجامعة أو قدرة الأسرة المالية أقل أهمية من مستوى الخريج الحقيقي.

كما يجب أن تكون هناك معايير معلنة وموحدة على الجميع، سواء كان الخريج من جامعة حكومية أو أهلية أو خاصة، لأن المريض في النهاية لا يهمه مقدار المصروفات التي دفعها الطبيب، وإنما يهمه أن يكون أمام طبيب مؤهل وقادر على تحمل مسؤولية علاج إنسان.

العدالة الحقيقية

العدالة التعليمية لا تعني أن يحصل الجميع على النتيجة نفسها، وإنما تعني أن تكون الفرص والمعايير واضحة وعادلة، وأن يكون التفوق والكفاءة والعمل الجاد لها وزن حقيقي في تحديد المستقبل.

فلا يصح أن يكون المال وحده قادرًا على تعويض فارق كبير في المجموع عندما يتعلق الأمر بمهنة شديدة الحساسية، وفي الوقت نفسه لا يصح أن يُنظر إلى خريجي التعليم الخاص جميعًا باعتبارهم أقل كفاءة.

المعيار الحقيقي يجب أن يكون: ماذا يعرف الخريج؟ وماذا يستطيع أن يفعل؟ وهل يصلح لتحمل مسؤولية حياة المريض؟

ومن هنا، فإنني أطالب الجهات المعنية بإعادة النظر في آليات تقييم خريجي كليات الطب المختلفة، ووضع اختبار وطني موحد للكفاءة المهنية يسبق الترخيص الكامل لممارسة المهنة أو التعيين الحكومي، على أن يخضع له الجميع دون استثناء.

فالمجتمع لا يحتاج إلى طبيب يحمل لقبًا فقط، وإنما يحتاج إلى طبيب يمتلك العلم والمهارة والضمير.

وفي الوقت نفسه، لا بد أن نحافظ على المكانة العلمية والإنسانية لمهنة التمريض، وألا نسمح بأن يصبح التمريض مجرد «خيار اضطراري» للمتفوق الذي لم يستطع تحمل تكلفة الطب الخاص.

فالمهنة يجب أن يحددها الاستحقاق والكفاءة، لا القدرة على دفع المصروفات.

 

زر الذهاب إلى الأعلى