عندما يكون الصدى أعلى من الصوت: فيفيان سمير
عندما يكون الصدى أعلى من الصوت
بقلم: فيفيان سمير
في غرفة ضيقة بمدينة ميلانو العسكرية، كان الجسد المنهك لإرنست هيمنجواي الشاب يتمدد على سرير أبيض قاس. كان عمره لا يتجاوز الثامنة عشرة، لكن جسده كان يحمل أكثر من مئتي قطعة من الشظايا، والرصاص الذي اخترق ركبته في ليلة دامية على الجبهة الإيطالية.
لم يكن يعلم في تلك اللحظات أن ألمه سيتحول إلى أدب، وأن جراحه ستصبح ينابيع لا تنضب من الإبداع. لكنه كان يشعر بشيء آخر، شيء أعمق من الألم الجسدي، كان يشعر لأول مرة بأنه على قيد الحياة حقا. من منا لا يعرف صورة هيمنجواي النمطية التي رسمتها لنا كتب الأدب وصفحات المجلات؟ ذلك الرجل العملاق بلحيته الكثيفة، بقميصه المفتوح، ببندقيته في يد وكأس ويسكي في اليد الأخرى. الصياد المغامر، محب مصارعة الثيران، مراسل الحروب الذي لا يهاب الموت، ذلك الكاتب الذي عاش حياته كما لو كانت رواية من رواياته.
صورته العامة كانت أقرب إلى أسطورة حية، رجل صنع من نفسه بطلا في زمن انحسرت فيه البطولة، يمشي في الدنيا وكأنه يمسك بزمامها. لكن خلف هذه الصورة الذهبية، كان هناك طفل صغير يرتجف. خلف هذه الثقة الأسطورية، كان هناك رجل يكره أهم امرأة في حياته، يكرهها بجرحه ذاك الذي لا يندمل، تلك المرأة هي والدته. نعم، والدته، غريس هال هيمنجواي، تلك الموسيقية الطموح التي قررت أن تعيش طموحاتها الفنية من خلال أبنائها.
لقد نشأ إر نست الصغير تحت نير امرأة قوية، متسلطة، كانت تلبسه في سنوات طفولته الأولى ملابس طفلة، وتجعل شعره طويلا لتبدو أخته الكبرى وإياه توأمين متماثلين، وهي العادة الفيكتورية الغريبة التي مارستها بعض الأمهات آنذاك. كان يضطر للعزف على آلة التشيلو رغما عنه، بينما كان يتوق للخروج للصيد مع والده في غابات ميتشجان. والده كلارنس، الطبيب الهادئ، كان أسير زوجته القوية أيضا. لم يقف في وجهها يوما، كان خاضعا مستسلما، حتى انتهى به الأمر منتحرا ببندقيته الخاصة عندما بلغ إر نست التاسعة والعشرين. وقتها، لم يغفر إر نست لأمه قط. قال عنها لاحقا لأحد أصدقائه: “كرهت جرأتها، وكرهت جرأتي…
لقد أجبرت والدي على الانتحار.” كانت هذه الكلمات تحمل مرارة السنين كلها، مرارة طفل كبتت أمه رجولته، فقرر أن يعيشها مائة ضعف في كل مغامرة، وفي كل حرب، وفي كل امرأة أحبها ثم هجرها. كانت زوجاته الأربع، وعلاقاته العابرة، محاولة دائمة للبحث عن تلك الأنثى التي لا تشبه أمه، عن امرأة تحتضن رجولته دون أن تسحقها. لكن دوام الحال من المحال، كان يكرر النمط نفسه مرارا، زواج، ثم صراع، ثم انفجار، ثم هجران.
مارثا غالهون، الزوجة الثالثة، كانت صحفية حربية مثله، قوية مستقلة، فلم يحتمل ذلك، لأنها ذكرته بذلك الشبح الأنثوي القديم الذي ظل يطارده. وحين طلقها، تزوج من ماري ولش التي كانت أكثر طواعية، لكن النيران كانت تأكله من الداخل. كان أدبه هو ابنه الشرعي الوحيد، وربما هو الحب الوحيد النقي في حياته. في روايته “وداعا للسلاح”، نلمس ذلك الصراع بين الحب والحرب، بين الحياة والموت. وفي “لمن تقرع الأجراس”، نرى الإنسان الذي يبحث عن معنى في خضم الفوضى. أسلوبه المكثف البسيط، الذي سماه “نظرية الجبل الجليدي”، كان يحمل تحت سطحه الهادئ عواصف لم يبح بها لأحد.
قال مرة: “أجمل ما في البحر أنك لا ترى ما تحته.” وكان يتحدث عن أدبه، لكنه كان يتحدث عن روحه أيضا. في صيف عام 1961، وبعد أن تآكل جسده بالأمراض، وتآكلت روحه بالاكتئاب الذي ورثه عن والده، وقف إر نست هيمنجواي في بيته في كيتشوم بولاية أيداهو. كان يحدق في البندقية ذاتها التي قُتل بها والده من قبله. في تلك اللحظة، كان صياد الثيران العظيم، بطل الحروب، مغامر القرن العشرين، يقف وحيدا أمام خوفه الأكبر. ليس الخوف من الموت، فقد كان يعرف الموت عن قرب طوال حياته، بل خوف الاستسلام، الخوف من أن يصمت صوته ويبتلعه صدى ماضيه، الخوف من أن يصبح مثل والده، خوف أن ينهي حياته بنفس الطريقة التي كرهها. لكنه فعلها. أطلق النار على نفسه، ليلحق بوالده، وليؤكد أن لا أحد يهرب من جراح طفولته، حتى لو كان هيمنجواي.
رسالة هيمنجواي من خلف قبره، من خلف أسطورته، هو أن كل إنسان، مهما بدا قويا، يحمل في داخله ذلك الطفل الجريح الذي لا يكبر، وأن الإبداع الحقيقي ليس سوى تحويل ذلك الجرح إلى ضوء، وتلك الهشاشة إلى قصة تُخلد عبر الأجيال؛ فالمواجهة الحقيقية ليست في ميادين القتال، بل في تلك الغرفة المظلمة حيث نواجه أشباحنا القديمة وحدنا، ونتعلم كيف نتصالح معها. وأعظم انتصار ليس في أن ننتصر على العالم، بل أن ننتصر على تلك الأصوات الداخلية التي تخبرنا بأننا لسنا كافيين.
هيمنجواي خسر معركته الأخيرة مع صدى الماضي، رغم أنه انتصر في المعارك التي خاضها في ميادين شتى، وكتب لنا خريطة للروح البشرية، بكل تناقضاتها، بكل ضعفها وقوتها، وبكل جمالها حتى لو كان تحت الألم.
