
فرخة بياضة
قصة قصيرة بقلم الكاتبة : رحاب عمر
شكله لم يكن مقبولا، رجل “تلتين ” له كرش، فارَق الشعر ثلث رأسه منحسرا إلى الخلف والجوانب، عيناه بنيتان، يضحك كثيرا وينكت أكثر، حتى أنك تغتر في ابتسامته التي لا تفارقه وتنعته ب ” راجل طيب” .
قَبّل المهمة بالمبلغ الذى حددته أمي، ثلاثون جنيها يأخذهم على شهرين، غمرتني إنسانيته وسمو أخلاقه، وتأكدت من طيبته. كتر خيره، سيقوم بعمل السباكة في شقتنا بالأعلى، حينها نستطيع تأجير الشقة بالأسفل والحصول على خمسة وأربعين جنيها شهريا، ييسرون أمورنا المتعثرة، بعدما انضم أبى لقائمة البطالة، ومن ثمَّ لقائمة المتزوجون العائشون على عرق النساء.
بدأ الرجل في دق الحوائط، وتكسير الأرض، وبدأت وأمي في إعداد الطعام، ثم طلبت منى أن أصعد بالشاي والماء. ضحك معي كثيرا، وطلب أن أساعده في تثبيت المواسير، وفعلت وأنا ممتنة له أنه سينقذنا ونبدأ بتدبير أحوالنا بعدما ينتهى من عمله، وقد طلبت أمي منه، حنفية واحدة في المطبخ، بعدما أكرمنا بشراء حوض سلستيل قديم بسبع جنيهات.
باغتني صوت أمي وهى تصرخ منادية باسمى، فاستأذنت منه، نظر عميقا في عيني وقال بصوت لين
– متتأخريش. ساعدتها في تقطيف الملوخية، وتنظيف دجاجتنا “البياضة” التي اخترتها من بين خمس دجاجات نعتمد عليهم في غذائنا الأسبوعي، بحجة أنها عجزت وقل إنتاجها من البيض. نادى الرجل على أمي، أخبرها أنه في حاجة لمن يساعده، فطلبت منى أن أصعد إليه، تململت، وأخبرتها أننى أرهقت من حمل المواسير، صرخت فيّ: – داهية تاخدك أنت وأبوكِ؟. صعدت السلم ببطئ، وأنا أحدث نفسى، كيف لطفلة صغيرة لم تتعد إحدى عشر عاما أن تحمل مواسير، وأدوات ثقيلة؟ قمت بسب ذاك الرجل الذى فر هاربا من فقرنا، واحتمى بأرملةٍ لعوب. ولعنت أبوته التي ما أكسبتنا إلا الحاجة.
حين صعدت؛ ظل يلومني ويبتسم لي في نفس ذات الوقت
– كدا سبتينى ونزلتي.
شعرت بعدم ارتياح، لم تعجبني نبرته، أخبرني أنى جميلة، بحذر ابتسم، ملس على شعرى، اضطربت، اقترب من أذني بشفتيه الغليظتين، فشعرت هواءً ساخنا يحرقني، ألقي كلمة مغمسة بقبلة تبدو أنها : أنتِ جميلة.
خلصت نفسى من ضغطه على كتفي، فقال: – قربى
جريت وأنا أقول : هعملك شاي ياعمو. زعق مناديا، لم أهتم وقفزت على الدرج.
نهرتنى أمي بشدة، وعنفتني قائلة: خيبة زي أبوك. أخبرتها أننى سأشاركها إعداد الطعام، حملقت فيّ بوجه غاضب ثم شدتني من ضفيرتي، وقرصتني في فخذي، صرخت وأنا أقول لها : حاضر. صعدت على مضض، أزلت دموعي بأطراف كمي، ابتسم في وجهي وحدثني بصوت خفيض، طلب أن أساعده فيما يفعل، اقترب منى والتصق بجسدي فلم أتحمل، فررت هاربة ودخلت حجرتي، ولا أدري كيف تعديت درجات السلم، أغلقت الباب على نفسى وكل جسدي يرتجف، طرقت أمي الباب، طرقات عنيفات وهى تصرخ، وذكرتني أن الرجل صاحب فضل، وأننا يجب أن نساعده، وأننا لا نملك أجرة عامل.
تأثرت بحديثها، لكنى لم أستطع مفارقة سريري، ضجرا يمنعني، وهلعا يحويني، لا أعرف ماذا أقول لها، هل أقول لها أنه يربت على ظهري ويحدثني بصوت هادئ ويقبل أذني ويلتصق بي؟ ستقول لي أنه مثل أباك. لكن أبى لم يقبلني قط ، فكيف لي أن أعرف أنه مثل أبى؟ وإن كان مثل أبى لماذا يدق قلبي بشدة كلما اقترب منى وأشعر بالاختناق، ولماذا ألمح في عينيه ذئبا مخيفا كذاك الذى أراه في برنامج عالم الحيوان يوم الجمعة؟.
تعاود أمي الطرق والسباب، وتتوعدني بعلقة سخنة، وتضطر هي إلى الصعود لمساعدة الرجل، أدعى النوم، يلازمني الضجر والخوف وشعورا بالتقصير. أتعذب وأنا ألقى عليها هذا العبىء، أحاول أن أقوم من مرقدي لمساعدتها، لكن جسدي يأبى وأتوه هاربة في نوم لا أشتهيه.
تنزل أمي قبيل المغرب تكمل إعداد الطعام، وتجهز الطبلية، وتدعو الرجل للطعام، وأنا بالداخل يأكلني الشعور بالذنب والخوف من قرصة أمي المعتادة.
أتخيله يفترش الأرض بكرشه المتكور، وعيناه على الدجاجة، أضغط عيناي لأستجدي ظلاما لا يمكنني من رؤيته، أسد أذني حتى لا أسمع صوته المايع، ولا حديثه التافه، ولا نكاته السخيفة التي تضحك عليها أمي حد القهقهة. يخترقني -رغما عنى- صوت أنفاسه وهو يلتهم أذني، وكلما وضعت كفوفي على مواضع سمعي علا الصوت أكثر، باغتني صوتا مزعجًا آخر زاد من توتري، يبدو صوت التهامه النهم لفرختنا البياضة، يصاحبه قهقهات أمي.
………………………………
من المجموعة القصصة اختراق ذاكرة معتلة




