صدى مصر

فصول الروح”.. نقفُ أمام المرآة كل صباح

“فصول الروح”..
نقفُ أمام المرآة كل صباح
فنرى الوجوه التي نعرفها و الملامح التي ألِفناها، والعيون التي سكنت فينا طويلاً.
لكن؟! خلف هذا الستار الجلدي الرقيق تدور معركة صامتة لا تتوقف معركة “التغير”.
فنحن يا صديقي لسنا كائنات جامدة كالصخور. بل نحن أنهارٌ جارية والماء الذي عبر جسور أرواحنا بالأمس، قد صار الآن جزءاً من بحر الذاكرة البعيدة.
التغير فينا لا يبدأ من الخارج بل يتسلل كاللص المحبب من ثقوب التجارب. إننا نخلع أفكارنا القديمة كما تخلع الأشجار أوراقها في الخريف
ليس كرهًا فيها بل لتفسح مجالاً لبرعم جديد يستطيع مواجهة ريح الشتاء القادمة.
فالعقل الذي كان يرى العالم بالأبيض والأسود، يكتشف مع مرور الأيام أن الجمال الحقيقي يكمن في تلك المناطق الرمادية وفي تلك الألوان التي لم نكن نملك الشجاعة لرؤيتها من قبل.
إننا نولد بقلوب كالصفحات البيضاء لكنها سرعان ما تمتلئ بالألوان من أحمر الحب القاني إلى أزرق الحزن العتيق. واللافت للنظر والأكثر رعباً ودهشة في آن واحد، هو أن هذه الألوان لا تثبت.
إنها تبهت و تمتزج أو تتلاشى تماماً لتحل محلها ألوان أخرى لم نكن نتخيل يوماً أننا سنرتديها.
يقولون إن الزمن يغيرنا والحقيقة أن الألم هو من يحمل ريشة الرسم.
كل خيبة أمل تركت فينا أثراً لم تأخذ منا شيئاً إلا لتعطينا في المقابل “عمقاً”. نحن نتغير لأننا نُكسر، ومن مواضع الكسر يتسلل الضوء، ومن شقوق الروح تخرج الحكمة.
إن الإنسان الذي لا يتغير هو إنسان لم يعش حقاً، هو كتابٌ توقفت صفحاته عند المقدمة بينما الحياة روايةٌ ضخمة ترفض الثبات.
مثل فصول السنة نتغير من ربيع العاطفة حيث كل شيء مزهر، وجديد، ومليء بالوعود.
إلى صيف النضج تصبح المشاعر هادئة، مستقرة، ودافئة.
يتبعه خريف المراجعة لتبدأ الأوراق الصفراء بالظهور، وتتساقط اليقينيات القديمة.
وتنتهي بشتاء الكفّ حيث تتجمد بعض المشاعر، أو تموت، لتفسح المجال لولادة جديدة فبعد كل شتاء لا بد من ربيع آخر، وإن بدا بعيداً.
قد يبدو تغير المشاعر أمراً محزناً أو خيانة للماضي لكن الحقيقة هي أنه شهادة على أننا “أحياء”.
و إن القلوب التي لا تتغير هي قلوب قد ماتت وتخشبت.
لذا عندما تشعر أن عاطفة ما قد غادرتك لا تطارد طيفها بمرارة، بل ودعها بامتنان قل لها: “شكراً لأنك كنتِ يوماً هنا، ولأنك صغتِ جزءاً مني”.
وإن جلست يوماً لتتأمل من كنتَ تحب أو ما كنتَ تعشق ووجدت أنك لم تعد تشعر بشيء فلا تجلد ذاتك إنك ببساطة قد أصبحت شخصاً آخر في رحلة لا تتوقف نحو اكتشاف مساحات جديدة في روحك.
رحلة تقتضي أن تترك بعض الأمتعة خلفك لتتمكن من التحليق نحو آفاق أبعد وأجمل.

زر الذهاب إلى الأعلى