
“فلسفة الترك”
بقلم / أحمد عبد المهيمن

في ركنٍ بعيدٍ من ذاكرة الطفولة، تقف صورةٌ لا تُمحى، أنا، وأخي الكبير، وبين أصابعي أُمسك بخيطٍ رفيعٍ يتدلّى منه زنبورٌ ملوَّن، كنتُ يومها صبيًّا صغيرًا أبهرته ألوانُ ذلك الزنبور كأنها قطعة من قوس المطر، فربطتُه بخيطٍ رفيعٍ وأمسكتُه بحذرٍ في كفّي، ظانًّا أن الخيط يضمن لي الأمان من الفقد، إلى أن نادتني أمي للطعام فتركتُه مطمئنًّا أن قبضتي ستظل تحفظه، وما إن انشغلتُ بمائدة الغداء حتى أفلت منّي وطفق يطير بعيدًا، والخيط يرقص خلفه كابتسامة وداعٍ أخيرة. ركضتُ خلفه باكيًا، وقلبي الصغير يتصدّع مع كل رفّة جناح، ولم تُجدِ محاولاتُ أخي في تعزيتي ولا في منحي زنبورًا آخر يشبهه.
مرت أعوام، وكبرتُ، وفهمتُ أخيرًا أنني لم أكن خائفًا على الزنبور، بل كنتُ خائفًا عليّ، فنحن دائمًا نخشى خسارة الأشياء لا لأنها ثمينة، بل لأننا نُسقط فيها جزءًا من ذواتنا.
نتمسك بالأشياء حتى تختنق بين أيدينا، نربطها بخيوطٍ من التعلّق، ونظن أننا نحميها، بينما نحن من نختنق بها.
إن أجمل ما في “الترك” أنه يحررنا من أوهام الامتلاك، ويمنحنا شجاعة الفقد.
ففي اللحظة التي نفلت فيها أيدينا، نكتشف أن ما نظنّه قيدًا من حب، كان في الحقيقة حبلاً من خوف.
وحين تتنفس أرواحنا أول أنفاس الحرية بعد الإفلات، نسأل بدهشة الطفل الذي أضاع زنبوره:
لماذا تمسّكنا كل هذا الوقت؟!
#وَيَبْقَى_الْأثَرْ
#قبل_أن_يفهم_الدنيا
#أحمد_عبدالمهيمن
https://www.facebook.com/share/1aecpzL9y7/





