الدين و الحياةمقالاتمنوعات

في الصيام جنة, بقلم الكاتب: محمد نوح

في الصيام جنة

 بقلم الكاتب: محمد نوح

في ظهيرة رمضانية حارة يقف شاب أمام زجاجة ماء بارد في ثلاجة مفتوحة, وحلقه جاف يحدثه من الداخل بقسوة أريد هذا الماء, لا أحد يراه, ولا شيء يمنعه سوى قناعة داخلية تقول “ليس الآن” ويغلق الباب بهدوء ويعود إلى يومه. قد تبدو لحظة عابرة, ولكن في حقيقتها تدريب يومي على معنى كبير اسمه الإرادة والثقة, وأيضا القوة…

شهر رمضان ليس شهر الامتناع بقدر ما هو شهر السيطرة, فالفارق بين الجوع القسري والجوع الاختياري هو الفارق بين الضعف والقوة. حين يملك الإنسان القدرة على أن يفعل, ثم يختار ألّا يفعل, تتشكل شخصيته من جديد, إذًا الصيام لا يختبر المعدة بل يختبر القرار.

في القرآن مشهد شديد الدلالة, يتكرر كلما جاء شهر رمضان, حين خرج طالوت بجنده لملاقاة جالوت, لم تبدأ المواجهة بالسيوف, بل بدأت عند نهر. قال لهم” إن الله مبتليهم به فمن شرب منه فليس منه ومن اكتفى بغرفة يد فهو الذي يستحق الاستمرار”. كان العطش شديدًا والماء أمامهم, لكن الامتحان لم يكن في الشرب, بل في القدرة على التوقف كثيرون. شربوا فقعدوا قبل أن تبدأ المعركة, والقلة التي تماسكت هي التي عبرت وهي التي صمدت وهي التي رأت النصر, لم يكن الفارق في العدد, بل في القدرة على ضبط النفس لحظة الإغراء.

ولنا في نصر أكتوبر المجيد خير مثال حين عبر الصائمون بقوة إرادتهم في العاشر من رمضان. هذا المشهد يتكرر كل عام لكن بصورة مختلفة, لم يعد النهر ماء فقط, بل صار شهوات مفتوحة على مدار الساعة واستهلاكًا بلا سقف وغضبًا سريع الاشتعال, وكلمات تقال بلا حساب. في كل مرة يختار الإنسان أن يكتفي بغرفة يد من رغباته, فإنه يعبر نهرًا جديدًا. شهر رمضان لا يصنع مجتمعا قويًا بكثرة الطقوس, بل بكثرة المنتصرين على أنفسهم, فمن لا يستطيع أن يقول لا لشهوة صغيرة لن يكون مستعدًا لمواجهة تحد كبير, وهنا تكمن حكمة الصيام, أنه يعيد ترتيب الداخل قبل أن يعدنا لأي مواجهة في الخارج.

وربما لا يخوض معظمنا معركة في ساحة قتال, لكن كل واحد منا يواجه جالوت الخاص به, عادة سيئة, اندفاعًا مؤذيًا, تعلقًا زائدًا, أو ضعفًا متكررًا، قد يجعلنا أحيانًا نميل عن الحق, فكم منا شاهد عادات سيئة بهذا الشهر من تجهيز أصناف متعددة علي الموائد تعويضًا عن اعتقاده الخاطئ عن الحرمان.

القوه تكمن في تحدي المسلم  الشهوات باردته يرى الماء ولا يشرب يشم رائحه الطعام و هو يشتهيه لكنه يرفع يده عنه،  فالصوم إعداد مسلم قوي علي إي صعاب والطريق إلى الانتصار لا يبدأ هناك, بل يبدأ عند النهر ربما لا يكون النصر في عبور النهر مرة واحدة، بل في أن نظل عابرين كل يوم. أن نغلق باب الثلاجة، ونمضي ليس لأن أحدًا يراقبنا سوى الخالق سبحانه.

زر الذهاب إلى الأعلى