أدب وثقافةثقافة وفنشعر و ادبمقالات

قراءة تفسيرية لقصة “ابتسامة أخيرة”

“عن تداعيات الحب والطاعة “

قراءة تفسيرية لقصة ” ابتسامة أخيرة”

للقاصة / منى الجبريني . الحاصلة على المركز الثاني على مستوى الوطن العربي في مسابقة الكتابة الإبداعية – القصة القصيرة 2025.

بقلم / مجدي مرعي
عند الأخذ بتلابيب معنى عنوان تلك القصة ــ ابتسامة أخيرة ــ فهو يرسم صورة ذهنية ، بأن هناك مشهد مأسوي ينتهي بتلك الابتسامة ، والشاهد على ذلك كلمة ـ أخيرة ــ أي وداع وانتهاء عند مرحلة معينة ، فهذا الإحساس الذي يغرسه العنوان في نفس القارئ يصنع بداخله تشويقاً ، عما إذا كان هذا المشهد سيتحقق أم لا ، أم هو محض تخمين وفراسة ، فهذا لا يهم بقدر ما يدفعنا لقراءة سطور تلك القصة بسرعة شديدة كي نتحقق من صدق استنتاجاتنا.
تأتي الكاتبة ببعض الجمل التي تدق ناقوس الخطر وتترك علامات الدهشة ، للتأويل والتحليل ، فهي تأتي بالنتائج ثم تستعرض الأسباب في سرد عكسي حيث تبدأ بالنهاية ، وفي هذا تفجر فينا متعة الدهشة، وإعمال العقل لفك تلك الرموز، فعندما تسمع نبأ سقوط أبيها ونقله إلي المستشفى تضع كتابها برفق ، لا أن تبادر بهرولتها للاطمئنان على أبيها ، والتناقض بين هذا التصرف ، وعدم هرولتها لنجدة أبيها حيث أن الهرولة تقتضي السرعة ، بينما وضع الكتاب على مهلٍ فيه بطء ، مما يحمل إلينا استنتاجات لا تبوح بها
ثم تغمض عينيها كي تنفض آثار القلق الذي صار يعتريها جراء ذهابها إلي المستشفى وراء أبيها ، فعدم التداعي مع الأحداث واللجوء إلى أحلام اليقظة يمثل هروباً واضحاً ، ويعد هذا نقطة ارتكاز ومبرراً لسرد ما تم في الماضي واستعادة الذكريات ، ربما نلتقط من خيوطها ما يبرر هذا التناقض السافر في سلوكها ، وحالة اللامبالاة التي صارت تعتريها بما يتنافى عن طبيعة الابنة السوية القلقة على أبيها ، والمحبة المفترض أن تكون كما هو معتاد ، فكل ما يلي لا يثير فيها مظاهر اللهفة والقلق لديها:
ـ الوالد مريض بذبحة صدرية راقداً في المستشفى
ــ الأم انهارت وسقطت على الأرض
ــ أخوها متشحاً بالكآبة
وكأن عودتها للكتاب هروب من تلك المواقف ،وهذا ما يؤدي بنا إلي عقدة القصة، والاستفهام عن سر لغز موقف هذه الابنة، ثم أتت بعبارة ” عيناها خاليتان من المشاعر ” وهي التي تعلم ما يخفى على الجميع من حقيقة مرضه ، فهذا الأمر كان من المفترض أن يدعوها لقلق أكثر إذا كانت محبة له حباً حقيقياً، فهي غير مصدقة إن أباها الجبل الصامت في وجه رياح الزمن تهزمه بضع آلام خفية ، إذن نحن أمام طاغية وجبروت ، وتروح تسترسل في ذكر بعض المواقف من خلال غفوتها ما يؤكد حقيقة مشاعرها المكتومة تجاه والدها :
آثار يده الغليظة على وجنتيها
صوته الجهوري يبث الرعب في أوصالها
يقهرها فتستحيل دمية بين يديه
يلحقها بمدرسة الصنايع رغم حصولها على درجة الثانوية العامة
يخطبها لعجوز ثري…القسوة بعد عيد ميلادها الرابع عشر يستنزف أمواله ليلة تلو ليلة….
تمزق قبضتاه كتبها …. يحيلها إلي رماد مشتعل ويحرق قلبها
إذن هو رجل مادي وكاذب حيث يمنحه الوعد بتزويجهما حين تنال شهادة الدبلوم
فنحن هنا أمام صورة غير عادية أب طاغ ، ومستغل ، ومادي ، والشيء الطبيعي المنتظر هو فقدان مشاعر الأبوة وتحولها من حالة حب إلى عداء مستتر ، فصارت تدعو له تلك الابنة في أعماقها بالهلاك ، لانها قد كرهته بالفعل
وهنا تضع الكاتبة خطاً فاصلاً بين الطاعة والحب ، فهل الطاعة العمياء كما نؤمر بها تكون دليلاً على الحب ، هذا التساؤل يقودنا أن الطاعة العمياء قد يكون مصدره الاحترام ، وامتثالا بما تأمر به الشرائع تجنباً للوقوع في منطقة أخرى وهي غضب الله، حيث يأمرنا ببر الوالدين وطاعتهما إلا فيما يغضب الله من دفع للشرك أو ارتكاب المعاصي
ونحن هنا إما بين ثنائيات الطاعة والحب ، والطاعة والاحترام فالطاعة المبنية على الحب هي أجل أنواع الطاعات وأعظمها ، لنتخيل شخصا ما يطيع الله ويؤدي ما عليه لأنه واقع تحت اختيار الجنة بنعيمها أو النار بعذابها أي الخوف من عقاب الله ، وآخر يعبد الله لإنه يحبه ويرى عظيم صنعه للكون فعبادته الحقه وطاعته تعد شكر لله ، فالشخص الثاني هو الأفضل بالطبع لأن طاعته لله مبنية على الحب ، وكيف يتأتى طاعة الابنة لأبيها المبني على الحب وليس القهر
ولا تنسى الكاتبة إن تمتعنا ببعض الصور البلاغية مثي ” يركل أحلامها ــ يطعن روحها بالقهر ـــ يبث الرعب في أوصالها ” وغيرها مما يضفي جمالا على النص
واستخدام الكتاب هنا حقق مبرراً سرديا ً وحقق مبرراً للهروب من واقعها هذا حتى تحمي روحها من هذا العالم…
وهنا قد أتت بالمسببات التي أظهرت معنى النتائج السابقة ، لنأتي الى لحظة الذروة، عندما أعلنت رفض الخطبة فالعصيان هنا له مبرره ، وما كان منه إلا أن يرفع يده ليصفعها فتمسك يده بقوة ، فلكل فعل رد فعل لكنه كان مجرد إمساك دفاعا عن النفس.. لكن حين هددته برد برد الصاع له إن أزعجها مرة أخرى ، فهذا تصرف غير صحيح تجاه الأب مهما كانت قسوته
ثم تأتي اللحظة الفاصلة التي ترسم الكاتبة دراميتها بصدق بواقع مشهدي بالصوت والصورة والتغلغل داخل النفس بما تحتويه من مشاعر ، عندما علمت بموت أبيها نجدها :
ــ ترتجف روحها في حبور صامت ، وتنساب الدموع من عينيها و تسجد لربها في امتنان
هل حزناً على موته؟ أم شكر لله بان أبيها مات؟
وشتان ما بين مشاعر الأم التي تنساب دموعها بلا انقطاع لكنها ـ الابنة ــ صارت مجرد جسد يتأبط ذراعي أمها لتسندها ،والأم تطلب من ابنتها ان تشاركها في الدعاء لوالدها حيث مرقده الأخير، فتبخل عليه بالدعاء ذلك اثناء مراسم الجنازة
فمشاعر الابنة باتت واضحة دون زيف حتى تنظر لقبر أبيها بعينين جامدتين دون دعوة واحدة له ، وتنصرف وتغادر المقابر و تلتمع البسمة في عينيها
وبالرغم أن الكاتبة هنا كسرت وحدة الزمن ووحدة المكان ، لكنها لم تشعرنا بذلك لهول الموقف وسيطرة الحالة النفسية التي أحالت القصة متحدة الزمن ، والمكان، وبفضل استخدام تيمة الغفلة التي استقدمت منه ما حدث من أفعال ومن خلال ابتسامة باهتة استشرفت منها ما هو آت في أيامها
واللغة منسابة ودقيقة ومعبرة عن الحالة دون تعقيد وخلو القصة من الجمل الحوارية في وقت كان من الممكن أن تستهويها الحالة نفسها للتعبير عن أحداث قصتها ببعض الجمل الحواية لكنها اكتفت بالسرد الذي هو مكون أساسي من مكونات القصة ، والقصة ترسم حدوداً نفسية فيما بين الطاعة ووجوب الحب فالحب أسبق للطاعة

 

الأستاذ مجدي مرعي حسن
الأستاذ مجدي مرعي حسن
القاصة منى الجبريني
القاصة منى الجبريني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى