شعر و ادب

قصة بعنوان ( وهم )….بقلم ……مرام شُعيب

قصة بعنوان ( وهم )....بقلم ......مرام شُعيب

قصة بعنوان ( وهم )….بقلم ……مرام شُعيب


ها قد أتى يومٌ آخرٌ على جوى إنّه يومٌ شائكٌ، سماْءَها تشوبها الحُمرَة، غيومُها سوداء، تتصارعُ لكنْ دونَ جدوى، فإنّه يومٌ جافٌّ كغيره، قد خسرَتْ غيومُها المطرَ بعد ثالثِ يومٍ من استشهادِ زوجها، عندما وجدَتْ نفسَهَا وحيدةً مع طفلها كرم ذو السّبع أعوام، إنًها تتسابق مع الفقر، مع المجتمع، ومع القدر..
تعملُ مدرّسةً للمرحلةِ الإعداديةِ تحبُّ الإعطاءَ والخيرَ لغيرها تسعى جاهدةً لإيصالِ رسالةِ العلمِ بشكلها السَّليم، دونَ
مللٍ أو كللٍ، دونَ أن تسمحَ ليدٍ عليا أو هديةٍ ثمينةٍ أن تؤثرَ على قرارِ نجاحٍ أو رسوبٍ، عانَتْ الكثير،َ فنحن في وسطٍ لايمشي دون وقود، واعتادَ شعبُهُ الطريقَ المعبّد..

كانت جوى بعدَ عناء ِسبعِ ساعاتٍ في المدرسةِ، وعودةٍ تأخذ من وقتها ساعة، تأتي لمنزلي لاصطحابِ كرم، تأخذهُ شاكرة ًلي ومن ثم تذهبُ به لغرفةٍ لا يقطنها بشر، توسلْتُ لها أن تبقى في منزلي لكن دون جدوى، كانت تقول ” أنتم لاينقصكم عالة، ورائحة زوجي بها ” ، تلك التي تسللَ إليها العفن والصدأ وجدرانها رسمت عليها لوحة من التصدّعِ والشقوقِ، قد اعتادتْ على يومها المتكرر، بألمه وعذابه وخباثة رائحته.
تطبخ لكرم مايحب وتهتم به جيّدا..
فأصبح لا يعرف أحدا إلاها كادت ملامحُ صوتِهِ تُمحَى من ذاكرتي، نسيْتُ كم نافذةٍ فتحْتُ داخلَ فمه، ونسيْتُ عفويته، مات كرم ذو السبع أعوام، كان يبكي بين الدمعة والدمعة جمرةٌ من الخذلان والفقد، فالبناء ينهار دون عِماد، وكرم فقد عِماده.

بدأ الشتاء يقسو، ولكمات البرد ظهرت كدماتها على جسدهما لابل قنابلها وسمّها مع الفقر خلقا كائنا وحشي داخل كرم، بكاء وبكاء يصاحبه أنين، ماعاد يرغب بالطعام، ولاحتى فطيرة الكرز التي كان يطلبها مراراً من والدته، احتلّه المرض، وسُلبَتْ منه الحُمرة فما عدْتُ أرى سوى صُفرَة وذبول، حثثَتُ جوى لأخذه إلى طبيب يشخّص حاله، ذهبت.. لكنّها عادت باكيةً تكاد دموعها تتبخر، لا أزال أذكر كلماتها، أُخذ عمادي وستأخذ روحي، شهر ثلاثون يوم، إنه موعد موتي
هدأتها وبدأنا ننشر الأخبار عن عمل إضافي لتستطيع جلبَ الدّواءِ َوتخفيفَ الأعراضِ عنه، مرت الأيام بيدها مكواةَ جمر تمرُّ على قلب جوى، جلست بعد عناء يومها وبيدها هاتفها تكلم الأرقام التي وضعت على إعلان التوظيف، صدمت من مجتمع أبله، بات يرى حاجة الانسان ملهى ليلي، سمعت الكثير من الاعتذارات تحت حُجّة ” نريد مقابلتك لنرى مظهرك اللائق، وإن كنت تستطيعين جلب الزبون أم سيهرب من أسلوبك ”
يا لفكرهم المنعدم وجهلهم المتفشي ! يرون الربح متمثل بجسد المرأة، والرقي بملبسها ذي الطابع اللائق بنظرهم..
فقدت أملها، باتت الأيام تتقارب والساعات تركض، تبكي وتصارع مع طفلها لكنها تصارع الريح..َ
وبعد مضي مايقارب العشرين يوم بين عبْء المدرسة ونحول ابنها مع متطلباته.. فهو طفل يشتهي كل ماتقع عليه عينه، لم تستطع تلبية رغباته، وقفت عاجزة، منكسرة تنسكب دموع ابنها كحمم في روحها، حتى جاءها خبر أبكاها..
زارتها دموع الفرح لأول مرة بعد شهور من الجفا..
فزميلها في العمل بحاجة لمدبرة منزل بأجر مناسب وعرض عليها هذا العمل، صعب عليها تقبّل العمل في البداية لكنها صحت من عزّتها بصوت سعال ابنها الذي كاد يُخرِج حنجرته، فوافقت..

ومن ثمّ ذهبت للمطبخ كي تصنع لكرم فطيرة الكرز التي يحبها، كي تخبره أنّه سيشفى بإذن الله، الفرح يتطاير من عينيها، ويداها ترقص لصنع الفطيرة، وضعتها في الفرن وبدأت رائحة الخَبْزِ تفوح، لم يأتِ كرم، حدّثت نفسها أنه كان دائما يأتي راكضا وينظر من زجاج الفرن للوحة الكرز ويَشْتَمُّ رائحتها، كانت عيناه العسليتان تلمع حينها، وشفتاه الورديتان الصغيرتان تنتظران إخراجها من الفرن، حتى وجنتاه المنتفختان كالقطن كانتا تتكوران من ابتسامته، كل مافي كرم كان يرقص حين صنع فطيرته
ذهبت إلى غرفته، توقعت أنه نائم من تعبه، فتحت النوافذ وهي تهتف باسمه..
” كرم، هيا ياكرم استيقظ هناك خبر مفرح أريد اخبارك به هيا
أووف ياكرم هيا يابني ألم تصلك رائحة الفطيرة بعد، هيا توقف عن الدلال.. ”
لم يأتها رد، ولا حتى جملته المعتادة ( خمس دقائق بعد يا أمي أرجوكِ)
شعرت بوحش يجثو فوق صدرها..
تقدّمت بخطواتٍ عجوز، اقتربت منه، هزّته، لم تأتِ ردة فعل ولاحتى همهمة..
اقتربت من أنفه حتى تشعر بشهيق أو زفير، حاولت سماع نبضه…
لكن دون جدوى، كأن مابين يديها دمية لا جسد، بدأ الوحش يغرس مخالبه في صدرها، ضاقت بها الدنيا حتى أصبحت كخرم إبرة ، صرخت..
” لا، لا هيا ياكرم، هيا يا أمي، لقد أخفتني أحسنت هيا ننهي اللعبة، وبدأ هزّها لجسد كرم النحيل يتزايد تدريجيا، هيا ياكرم استيقظ افتح عينيك، خبزت لك فطيرة الكرز، حصلت على عمل اليوم، سأجلب لك المعطفَ ذا الفراء البارز، ألم تبكي على باب المحل حينها، لم يعِ دماغها بعد ما جرى .
رفعت يده بخوف وهلع فسقطت مسرعة لتُنبَأ بموته..
صرخت وصرخت «لم يمت، لم يمت لقد حصلت على عمل سأجلب لك دواء لرئتيك الصغيرتين، هيا ياحرقة قلبي، لا يمكن لايمكن ياا الله! وسكب شلال الدمع على خديها، بدأت يداها مراسم وداع ملامح وجهِ ونعومة شعر كرم..، ” هل اشتاق اليك والدك ياصغيري ”
وانا ؟ وانا خذوني معكم أرجوكم لا أستطيع العيش مع هذا الألم لا أستطيع حب حياة استكثرت عليي سعر دواء لطفلي وعمل محترم بجانب التدريس ”
حينها جئت على صوت صراخ جوى، رأيت حالها فعرفت أن كرم قد مات، شرحت لي ماجرى بصوتٍ متقطّع، وطلبت منّي الاتصال بالاسعاف، قائلة : ” كرم لم يمت، لم يمت ” كانت آخر كلماتها، ومن ثمّ سقطت أرضا، شعرت بأنين الجدران حينها، ورأيت دموعه..
أخرجت هاتفي وسرعان ما اتصلت برقم الاسعاف المسجّل على هاتفي
ألو.. ألو.. أرجوكم أريد سيارة إسعاف لشارع (..) بناء(..)، أرجوكم بسرعة..
ليأتيني الرد: ألم تخرجي من صدمتكِ بعد..،
قد مضت خمسةُ أعوامٍ على موت كرم
وجوى.. أين جوى، أجيبيني يا نور..
حتى جوى قد ماتت بسكتة دماغية يومها
أرجوكِ أفيقي من جنونك، قد خسرت فلذة قلبي .. واحتلّتني الكآبة، وعلا (صوت بكائه من الهاتف)،
أريدكِ أن تشفي فقد اشتقت لكِ كثيراً
يا أمَّ جوى .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى