قصص قصيرة

كان وأخواتها بقلم: محمود سعيد برغش

كان وأخواتها بقلم: محمود سعيد برغش

كان وأخواتها

بقلم: محمود سعيد برغش

 

في أطراف بني سويف، كانت القرية تستيقظ على أذان الفجر، لكن بيت كاميليا استيقظ يومًا على صمتٍ ثقيل. مات الأب، وسقطت كلمة “كان” على قلبها كصخرة.
جلست أمام مكتبته، تتأمل مصحفه المفتوح على قوله تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾

لم تكن الآية جديدة عليها… لكنها لأول مرة شعرت أنها تخاطبها وحدها.
في ليلٍ طويل همست: لماذا يا رب؟ ثم تذكرت:
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾
وتذكرت الحديث: «إذا أحب الله قومًا ابتلاهم».
هنا بدأت تفهم أن البلاء ليس هجرًا… بل اصطفاء.

بعد الوفاة بأيام، ظهرت الحقيقة المؤلمة. ديون… أوراق ناقصة… ومكتبة مهددة بالحجز. شعرت أن موت أبيها لم يكن نهاية فقط… بل بداية اختبار. قرأت:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
وقررت أن تواجه.

دخل ياسين إلى المكتبة يومًا، وقال: “أبحث عن كتاب في شرح كان وأخواتها.” ثم ابتسم وأضاف: “كان تغيّر الإعراب… لكنها لا تقتل المعنى.”
نظرت إليه طويلًا… كأنه كان يشرح حياتها. صار يأتي كثيرًا، يتحدث عن اللغة كأنها روح، وكانت تتحدث عن القرآن كأنه حياة. قال لها يومًا: “أحب فيك أنك تقرئين الآيات كأنها نزلت الآن.” قالت بهدوء:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾

في الظل كان هناك من يراقب. الحاج صفوان، خصم قديم للأب، بدأ يحرك ابن عمها عادل، ويشد الدائنين، وينشر الشائعات. وثقت كاميليا في عادل ووقعت له وكالة، وبعد شهر اكتشفت بيع أرض أبيها بثمن بخس. انهارت، لكنها قرأت:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾
ورفعت قضية.

انتشرت الشائعات حول ياسين، ودخل الشك قلبها. قالت له: “هل تحبني أم ما أملك؟” فأجاب بهدوء: “أنا اخترتكِ… حتى لو لم يبقَ شيء.” وبكت بصمت.
اعترض عمها على الزواج، لكنها قالت بثبات: “أنا لا أبحث عن غنى… بل عن سكينة.” وتم الزواج في بساطة ورضا.

بدأت الصراعات: ضيق المال، مرض الأم، تراكم الديون. كانت تردد:
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
لكنها خسرت القضية في أول درجة، وأُغلقت المكتبة، واشتد الفقر. فكرت في الهروب، ثم قالت لنفسها: “أنا أُحسن التعليم… ولن أهرب.”
حوّلت بيتها إلى مركز صغير لتعليم اللغة والقرآن. سخر الناس، ثم بدأ الأطفال يتوافدون.

حملت بطفلها الأول، ثم فقدته قبل أن يولد. انهارت بين ذراعي ياسين. قال لها: “إن العين لتدمع…” فقالت: “الصبر نار… لكنها تقرّبنا من الله.”
عاد الأمل ببطء، ونجح المركز التعليمي، وبدأت المكتبة تستعيد حياتها.

ظهر دليل جديد، وثبت تورط الحاج صفوان. أعيدت القضية، وكسبتها في الاستئناف. عادت الأرض، وسقط صفوان اجتماعيًا. جاء عادل يطلب السماح، فسامحته بحذر، وتعلمت أن الخير لا يعني السذاجة.

بعد عامين، رزقهما الله طفلًا سمّياه عبدالله. أصبحت مكتبة أبيها مدرسة صغيرة، وأصبح الألم معنى.
في ليلة هادئة جلسا على السطح، قال ياسين: “هل تختارين الطريق نفسه؟” ابتسمت وقالت:
“لو لم أكن… لما أصبحت. ولو لم أُخدع… لما تعلّمت. ولو لم أفشل… لما نجحت.”
ثم همست:
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾

وأدركت أن أجمل “كان” ليست التي تُبكي… بل التي تعلّم، وأن أجمل “أصبحت” ليست التي تغيّر الحال… بل التي تثبّت القلب.
هكذا انتصر الخير… بهدوء.

زر الذهاب إلى الأعلى