كيف تغيّر وجه الإقليم؟. ومن التالي في الحسابات الكبرى؟.
كيف تغيّر وجه الإقليم؟. ومن التالي في الحسابات الكبرى؟
من صدام إلى طهران: كيف تغيّر وجه الإقليم؟, ومن التالي في الحسابات الكبرى؟. ومن سقوط العواصم إلى ورقة هرمز: هل نحن أمام لحظة كسر عظم إقليمي؟.
كتب: محمد رمضان أمين
لم تكن نهاية حكم صدام حسين في بغداد حدثًا عراقيًا فحسب، كما أن رحيل حافظ الأسد عن دمشق، وغياب ياسر عرفات عن المشهد الفلسطيني، وانتهاء عهد الملك حسين في عمّان، لم تكن مجرد انتقالات طبيعية للسلطة. لقد كانت تلك لحظة تحوّل كبرى أنهت “زمن الزعامات الصلبة” وفتحت الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.
ومع سقوط بعض الأنظمة أو تراجع أدوارها، برز لاعب إقليمي تحوّل تدريجيًا إلى محور صِدام دائم: إيران. إن إيران في قلب العاصفة منذ عام 1979، وتبنّت طهران مشروعًا إقليميًا يتجاوز حدودها الجغرافية. ومع انهيار العراق كقوة موازنة تقليدية عام 2003، تمدد النفوذ الإيراني في أكثر من ساحة عربية، سياسيًا وعسكريًا, وهذا التمدد جعلها في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع قوى خليجية وغربية، لتصبح في نظر خصومها “العقدة المركزية” في أزمات المنطقة, لكن هل يعني ذلك أنها الهدف الأول لإعادة رسم الخريطة؟.
الإجابة أعقد من اختزالها في شعار سياسي. فالصراع في الشرق الأوسط ليس صراع دولة ضد دولة فقط، بل شبكة متداخلة من المصالح الدولية: نفط، ممرات بحرية، تحالفات أمنية، وملفات نووية, ومضيق هرمز. زر الطوارئ الاستراتيجي في قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز، الممر البحري الذي يعبر منه نحو خُمس تجارة النفط العالمية, أهمية المضيق لا تكمن في جغرافيته فحسب، بل في كونه ورقة الردع الأهم بيد طهران. كلما تصاعد التوتر.
يعود السؤال: هل يمكن أن تُقدم إيران على إغلاقه؟, الإغلاق الكامل يعني شلّ جزء ضخم من إمدادات الطاقة العالمية، وارتفاعًا حادًا في أسعار النفط، وارتباكًا في الأسواق الدولية. لكنه في الوقت ذاته يعني مواجهة بحرية مباشرة مع قوى كبرى، وهو سيناريو مكلف لجميع الأطراف، بما فيها إيران نفسها التي تعتمد اقتصاديًا على تصدير نفطها عبره. لذلك، يبقى التهديد بالمضيق أداة ضغط سياسية أكثر منه خيارًا عسكريًا أوليًا.
إنه “الورقة الأخيرة” في حال تحوّل الصراع إلى معركة وجود. مصر, الثابت النسبي في معادلة متحركة وسط هذا المشهد المتغير، تبدو مصر حالة مختلفة. ثقلها السكاني، موقعها الاستراتيجي، وسيطرتها على قناة السويس، تمنحها موقعًا يجعل أي اضطراب في الخليج ينعكس عليها اقتصاديًا وتجاريًا.فإغلاق هرمز – حتى لو مؤقتًا – سيعيد رسم خرائط الملاحة وأسعار الطاقة، ما يؤثر على حركة التجارة العالمية، وبالتالي على المنطقة بأكملها.
ومع ذلك، تميل القاهرة تاريخيًا إلى سياسة التوازن الحذر، مبتعدة عن الانخراط في صدامات مباشرة، مع الحفاظ على مصالحها الحيوية. هل نحن أمام إعادة تشكيل كبرى؟ الشرق الأوسط يعيش مرحلة انتقالية ممتدة منذ أكثر من عقدين. سقوط رموز الماضي فتح فراغات نفوذ, صعود إيران أعاد تعريف التحالفات.
التوتر حول مضيق هرمز كشف هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام أي اضطراب إقليمي, لكن الحقيقة الأهم أن المنطقة لا تتحرك وفق سيناريو واحد. إغلاق هرمز ليس قدرًا محتومًا، كما أن استهداف دولة بعينها ليس معادلة ثابتة. ما يحدث هو صراع طويل على من يمتلك مفاتيح المستقبل, الطاقة، الأمن، وشرعية النفوذ,
الخلاصة من بغداد إلى دمشق، ومن عمّان إلى رام الله، تغيّرت الوجوه وبقي السؤال: من يملأ الفراغ؟ اليوم تقف طهران في مركز المعادلة، ممسكة بورقة إستراتيجية اسمها مضيق هرمز, لكن استخدام هذه الورقة قد يشعل حريقًا يتجاوز حدود الخليج إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
الشرق الأوسط لا يعيش لحظة انفجار واحدة، بل حالة شدٍّ دائم بين الردع والانفجار, والسؤال لم يعد: من التالي في السقوط؟ بل: أي نظام إقليمي سيولد من رحم هذا التوتر المستمر؟.




