لايفات الزواج” بين تسليع المرأة ومنطق الربح الرقمي: حين يتحول الظرف الاجتماعي إلى تجارة
لايفات الزواج” بين تسليع المرأة ومنطق الربح الرقمي: حين يتحول الظرف الاجتماعي إلى تجارة

“لايفات الزواج” بين تسليع المرأة ومنطق الربح الرقمي: حين يتحول الظرف الاجتماعي إلى تجارة
في الوقت الذي تتزايد فيه التحديات الاجتماعية المرتبطة بالزواج، برزت على منصات التواصل الاجتماعي ظاهرة ما يُعرف بـ“لايفات الزواج”، حيث يتم تقديم نساء في بث مباشر تحت مسمى “عروض زواج”، مع دعوة المتابعين للصعود والمشاركة. ورغم محاولة البعض تقديم هذه المبادرات كوسيلة عصرية للتعارف، فإن طبيعتها في عدد من الحالات تكشف عن توجه ربحي صرف، يقوم على استثمار ظرف اجتماعي حساس وتحويله إلى محتوى استهلاكي يحقق أرباحًا عبر المشاهدات والتفاعل والإعلانات.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في مبدأ التعارف أو اختيار شريك الحياة بحد ذاته، بل في تحويل هذا الحق الشخصي إلى منتج رقمي يخضع لمنطق السوق، حيث تصبح المرأة عنصر جذب جماهيري، وتُختزل في صورة عرض علني أمام جمهور واسع. هذا الانزلاق نحو التسليع الرقمي يعزز الصور النمطية، ويؤثر في تمثلات المجتمع حول مكانة المرأة، ويضعف مفهوم الكرامة باعتباره قيمة إنسانية عليا، لا تخضع لحسابات الربح والخسارة.
من منظور حقوقي، يكرّس الدستور المغربي مبدأ المساواة بين الجنسين وحماية الكرامة الإنسانية باعتبارها أساس الحقوق والحريات. كما تتضمن القوانين الجنائية مقتضيات تجرّم كل أشكال الاستغلال وتحقيق منفعة مادية غير مشروعة عبر استغلال الأشخاص أو أوضاعهم الهشة، إضافة إلى النصوص المتعلقة بمحاربة الاتجار بالبشر. كما أن قوانين حماية المعطيات الشخصية والخصوصية تشدد على ضرورة الرضا الحر والصريح، ومنع استغلال الصور أو المعطيات لأغراض تجارية دون ضوابط قانونية. وعليه، فإن أي ممارسة رقمية تقوم على استغلال ظرف اجتماعي لتحقيق الربح، أو تعريض المشاركات لمخاطر الاستغلال أو التشهير، قد تثير مسؤوليات قانونية متى توفرت عناصرها.
وفي هذا الإطار، يظل دور النيابة العامة أساسيًا في تتبع هذه الظواهر متى توفرت عناصر الاشتباه، باعتبارها الجهة الساهرة على تطبيق القانون وحماية النظام العام وصون حقوق الأفراد. ففتح الأبحاث عند الاقتضاء، وتفعيل المقتضيات الزجرية في حالات الاستغلال أو المساس بالكرامة أو تحقيق مكاسب غير مشروعة، يشكل ضمانة لسيادة القانون في الفضاء الرقمي، الذي لا ينبغي أن يكون خارج الرقابة أو بمنأى عن المساءلة.
كما نبهت جمعية الدفاع عن الإنسان في بيانها الأخير الصادر بمناسبة 8 مارس إلى خطورة انتشار هذه الظاهرة، معتبرة أن بعض هذه اللايفات تنزلق نحو منطق الاستغلال والتسليع، ودعت الجهات المسؤولة إلى تحمل مسؤولياتها القانونية والمؤسساتية من أجل الحد منها، وتفعيل آليات المراقبة والمساءلة، حمايةً للكرامة الإنسانية وصونًا لصورة المرأة من أي استغلال رقمي أو تجاري. وشددت الجمعية على أن مواجهة هذا التحدي تتطلب تعاونًا بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني والفاعلين الرقميين، من أجل ترسيخ ثقافة تحترم الإنسان كقيمة، لا كوسيلة للربح.
وفي الختام، فإن الفضاء الرقمي ليس منطقة خارج القانون، والحرية الفردية لا تعني إطلاق يد الاستغلال أو تحويل القضايا الاجتماعية الحساسة إلى مشاريع تجارية. فبين حرية الاختيار ومنطق التسويق، يبقى الحد الفاصل هو الكرامة الإنسانية، وسيادة القانون، والمسؤولية الأخلاقية.





