لا تقيموا عيدا للحب فالعشاق كاثرون بل اقيموا عيدا للوفاء فهم نادرون
لا تقيموا عيدا للحب فالعشاق كاثرون بل اقيموا عيدا للوفاء فهم نادرون

لا تقيموا عيدا للحب فالعشاق كاثرون بل اقيموا عيدا للوفاء فهم نادرون
بقلم/نشأت البسيوني
في كل زمن يكثر فيه الكلام عن الحب يكثر معه الضجيج والكذب والتجارب العابرة التي تلمع لحظة وتنطفئ بعدها بلحظة الحب أصبح كلمة سهلة تتكرر في رسائل قصيرة وصور مزيفة ووعود لا تجد لها مكانا في الواقع الحقيقي العشاق كاثرون لأن الطريق إلى الحب سهل لأن الرغبة لا تحتاج استعدادا لأن القلوب تتعلق بسرعة وتنسحب بسرعة لأن الكلمة التي يظنها البعض عهدا هي مجرد
شعور لحظي يتبدل مع أول خلاف وأول تعب وأول لحظة يظهر فيها الوجه الآخر للحقيقة ولهذا لا قيمة لعيد يتكرر فيه ما يقال كل عام بينما الأفعال لا تزيد شيئا ولا تغير شيئا أما الوفاء فهو شيء آخر هو امتحان لا يجتازه إلا قلائل هو معدن لا يظهر إلا تحت الضغط هو موقف لا يختبر في لحظة الفرح وإنما في لحظات الانكسار الوفاء لا يظهر حين يكون الطريق سهلا وجميلا الوفاء
يظهر حين تسقط الأشياء من حولك حين يرهقك الواقع حين تتغير الملامح والظروف حين تتبدل الطرق حين تظهر حقيقة النفس الوفاء يحتاج صبرا يحتاج ثباتا يحتاج قلبا يعرف أن الروابط الإنسانية ليست لعبة تقلب حسب المزاج وليست محطة مؤقتة يمر بها الإنسان ثم يرحل دون أثر العشاق كثيرون لأن الحب قد يتشكل من مجاملة أو إعجاب أو وحدة أو رغبة في الهروب أو حاجة
للأنس ولأن المشاعر السطحية سهلة الوقوع لكنها لا تملك عمقا يبقيها أما الوفاء فهو قرار قرار بالاستمرار حتى بعد أن يفقد كل شيء سحره قرار بالوقوف بجانب من نحب حتى حين يضعفه الزمن ويقتله الحزن ويجرده الفشل الوفاء لا يرتبط بالمكسب ولا بالخسارة ولا بالمصلحة ولا بالصورة الجميلة الوفاء هو أن تبقى لأن قلبك اختار البقاء لا لأن الظروف فرضت عليك ولأن الوفاء نادر
يظل أثمن من الحب نفسه لأن الحب بلا وفاء يشبه بيتا بلا أساس يشبه كلاما بلا روح يشبه حلما بلا تفاصيل الحب يحتاج الوفاء ليعيش كما يحتاج الجسد الروح ليقوم بدونه يصبح هشا ينهار مع أقل صدمة يختفي مع أول لحظة شك أما الوفاء فهو الذي يقاوم كل شيء يقاوم المسافة يقاوم الخلاف يقاوم الوقت يقاوم التغيرات التي تحدث للناس والظروف والفصول الوفاء يظل واقفا
حتى حين تسقط الكلمات ويتعب الكلام وتصبح مشاعر الأمس مجرد ظلال باهتة الوفاء لا يعترف بتقلب الأيام ولا بدورات المزاج لأنه مقام ثابت لا يتغير وفي عالم يمتلئ بالأقنعة يصبح العثور على إنسان وفي ليس مجرد حظ بل نعمة كبيرة لا تتكرر كثيرا العيون قد تلمع بالعشق لكن القلوب الوفية تلمع بالثبات الوجوه قد تعطيك اهتماما لحظة لكن الروح الوفية تعطيك حضورا دائما قد يعبر
الكثيرون من حياتك باسم الحب لكن الذي يبقى معك رغم العطب والضعف والضيق والحيرة هو الإنسان الذي يستحق أن يقام له عيد الوفاء عيد لا يكرم فيه الحب السريع ولا العواطف المؤقتة وإنما يكرم فيه الإنسان الصادق الذي يعرف معنى أن يبقى الوفاء ليس للعشاق فقط الوفاء مطلوب في كل العلاقات الوفاء للصداقة التي عبرت معك الطريق دون أن تتغير الوفاء للعائلة التي تحملت صمتك
وضعفك دون أن تتركك الوفاء للعمل الذي أعطاك مكانا حتى حين لم تكن بكامل قوتك الوفاء للحلم الذي بقي داخلك حتى حين خذلك العالم الوفاء للمبادئ التي اخترتها ولن تتخلى عنها حتى لو تغير كل شيء حولك الحياة كلها تبنى على الوفاء لا على الحب فقط لأن الحب قد يمرض وقد يتغير لكن الوفاء هو الذي يمنح القلب مناعته هو الذي يخلق للإنسان قيمة حقيقية هو الذي يجعل الكلمة كلمة
والفعل فعلا والوعد وعدا الوفاء هو البصمة التي تمنح وجود الإنسان شكله الحقيقي وتكشف أوصافه وعمقه وصدقه ولهذا نقول لا تقيموا عيدا للحب فالعشاق كاثرون اقيموا عيدا للوفاء فهو الذي يعبر السنوات وهو الذي يواجه الشك وهو الذي يربط قلبين دون أن ينقطع وهو الذي يحول العلاقة من لقاء إلى حياة ومن شعور إلى عمر ومن لحظة إلى أثر الوفاء هو الشيء الوحيد الذي يبقى بعد
زوال كل شيء هو الشيء الذي يحمل الإنسان حين يسقط ويعيد بناء العلاقات حين تتشقق ويمنح القلوب مكانا آمنا لا تغدر به الأيام سيذكر الناس الوفي حتى لو أخطأ وسيحترمونه حتى لو تعثر لأنه لم يترك أحدا في منتصف الطريق وسيحملون في أرواحهم ذكرى صدقه وطيبته وثباته أما الذي عرف الحب ولم يعرف الوفاء سيظل اسمه بلا أثر ووجوده بلا جذور لأن الوفاء هو ما يجعل الإنسان
حقيقيا وسط عالم مليء بالنسخ المتشابهة ولهذا قل ما شئت عن الحب لكن امنح تقديرك كله للوفاء فهو الندرة وهو القيمة وهو الحقيقة وهو ما يستحق فعلا أن يقام له عيد


