مقالات

لبنان بين سلاح المقاومة والأطماع الإسرائيلية

بقلم: ناصر السلاموني
أثار تصريح للرئيس اللبناني أكد فيه أنه لا يملك خيارًا سوى الاستمرار في التفاوض مع إسرائيل رغم الضغوط التي يتعرض لها، جدلًا واسعًا في الداخل اللبناني، خاصة أنه جاء بالتزامن مع تصريحات لوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير تحدث فيها عن “الاستيطان في لبنان”، في مشهد يعكس التناقض بين الحديث عن التفاوض وبين استمرار النزعة التوسعية الإسرائيلية.
ويبدو لبنان اليوم عالقًا بين اعتداءات إسرائيلية متكررة، وضغوط دولية وإقليمية متشابكة، في ظل دعم أمريكي واضح لإسرائيل وعجز دولي لا يتجاوز حدود بيانات الإدانة والشجب.
ولفهم الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى طبيعة النظام اللبناني القائم على التوازنات الطائفية منذ الاستقلال، حيث جرى توزيع السلطة بين الطوائف الرئيسية. ورغم أن هذا النظام ساهم في تحقيق قدر من الاستقرار، فإنه تحول مع الوقت إلى أحد أسباب الانقسام السياسي وضعف الدولة.
وقد أدت هذه التناقضات إلى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990)، التي فتحت الباب أمام التدخلات الخارجية، وفي مقدمتها التدخلان السوري والإسرائيلي.
أما إسرائيل، فقد نظرت دائمًا إلى جنوب لبنان باعتباره جزءًا من حساباتها الأمنية والاستراتيجية. وجاء الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ليؤدي إلى ظهور حزب الله بدعم إيراني باعتباره حركة مقاومة للاحتلال الإسرائيلي، وهو ما أكسبه تأييدًا واسعًا في تلك المرحلة.
لكن بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، برز خلاف داخلي حول مستقبل سلاح الحزب؛ فبينما اعتبره البعض ضرورة لمواجهة أي عدوان إسرائيلي، رأى آخرون أن احتكار الدولة للسلاح هو الضمان الحقيقي للسيادة والاستقرار.
وتعمق هذا الجدل بعد حرب عام 2006 التي خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة، لتتحول قضية سلاح حزب الله إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام داخل لبنان.
ومع تزايد ارتباط الحزب بالمحور الإيراني وتوسّع دوره الإقليمي، انقسم اللبنانيون بين من يراه قوة ردع تحمي البلاد من الأطماع الإسرائيلية، ومن يعتبره سببًا في إدخال لبنان في صراعات تتجاوز حدوده الوطنية.
وفي المقابل، يبقى الجيش اللبناني مقيدًا بإمكاناته العسكرية المحدودة مقارنة بإسرائيل، وبالاعتبارات السياسية الداخلية والتوازنات الإقليمية، ما يجعل دوره يتركز على حماية الاستقرار الداخلي أكثر من خوض مواجهة عسكرية شاملة.
ورغم توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل عام 2022 برعاية أمريكية، فإن الصراع لم يتوقف، إذ بقيت المواجهات والتوترات مستمرة على الحدود الجنوبية.
واليوم، ومع تصاعد العمليات العسكرية والتصريحات الإسرائيلية التي تتحدث عن الاستيطان في لبنان، تتجدد المخاوف من أن تكون القضية أبعد من مجرد اعتبارات أمنية، وأن ترتبط بمشاريع توسعية تسعى إلى فرض واقع جديد في المنطقة.
وفي المقابل، يرى أنصار المقاومة أن الضغوط الرامية إلى نزع سلاح حزب الله تهدف إلى إضعاف قدرة لبنان على الردع، بينما يرى معارضو هذا السلاح أن بناء دولة قوية موحدة هو السبيل الوحيد لحماية البلاد.
ويبقى المدنيون اللبنانيون هم الخاسر الأكبر في هذا الصراع المستمر، فيما يظل لبنان عالقًا بين سلاح المقاومة والأطماع الإسرائيلية، وبين متطلبات السيادة الوطنية وتعقيدات التوازنات الإقليمية والدولية.
إن مستقبل لبنان لن يُبنى بالمراهنة على الخارج، بل بقيام دولة قوية عادلة تمتلك قرارها الوطني المستقل، وتحمي أرضها وشعبها، وتواجه في الوقت نفسه أي مشاريع توسعية تهدد أمنها وسيادتها.

زر الذهاب إلى الأعلى