أدب وثقافةمقالاتمنوعات
ليلة العيد وسحر الانتظار. بقلم الكاتبة: شيما
بقلم الكاتبة: شيما
ما إن تغيب شمس آخر يوم من رمضان حتى يتبدل وجه الكون فتهبّ نسائم باردة تحمل معها وعوداً بالفرح. أنها ليلة العيد…
هي تلك المحطة الفاصلة بين رصانة العبادة وانطلاق البهجة هي الليلة التي لا ينام فيها الشوق، بل يظل مستيقظاً يرقب مآذن المساجد وهي تستعد للتكبير.
ليست ليلة العيد مجرد طيٍّ لصفحة زمنية أو استعداد لحدث عابر، بل هي انتظار للفرح ولحظة استثنائية يتوقف فيها الزمن ليتنفس الأمل. و تلك الساعات المسكونة بـ “لذة الترقب” حيث تخلع الدنيا ثوب العناء وترتدي القلوب أنقى مشاعرها. في هذه الليلة لا ننتظر بزوغ الشمس فحسب، بل ننتظر بزوغ ذاتنا في أبهى صورها و ننتظر تصالحاً مع الروح وعناقاً مع الغائبين وضحكة مؤجلة منذ زمن.
إنها ليلةٌ تُكتب فيها القصائد قبل أن تقال، وترسم فيها ملامح البهجة على الوجوه حتى قبل أن تشرق لصلاة الفجر لتؤكد لنا أن الانتظار في سبيل الجمال هو جمالٌ بحد ذاته. تتحول البيوت في هذه الليلة إلى خلايا نحل لا تهدأ و تختلط الروائح والمشاعر لتشكل لوحة فريدة. فبين عبير البخور وروائح المخبوزات التي تُجهز بحب تسري في الأرجاء طمأنينة عجيبة.
وصوت المذياع: الذي يبث التكبيرات الخالدة “الله أكبر، الله أكبر..” فتمتلئ القلوب طمأنينة ويقيناً بقدوم الجائزه قد دنت وأن التعب قد ولّى.
الانتظار في هذه الليلة هو بطل الحكاية الحقيقي فالأطفال يغالبون النعاس وأحذيتهم الجديدة بجوار وسائدهم يغمضون أعينهم لكن عقولهم ترسم خارطة الزيارات والألعاب والعيدية وكأنهم يخشون أن يسبقهم العيد وهم نيام. أمّا الكبار فيسترجعون شريط الذكريات بابتسامة حانية وتلمع في أعينهم دمعة حنين لمن غادروا المجالس وبقيت ذكراهم عطرة مع كل تكبيرة مدركين أن العيد ليس لمن لبس الجديد فحسب بل لمن استشعر بهجة الروح في ليلة انتظاره.
ومع اقتراب خيوط الفجر الأولى، يذوب ذلك الانتظار الطويل في أول نداء لـ “الله أكبر” يصدح من المآذن ليعلن ميلاد يوم جديد يغسل القلوب من أتعابها وتخرج الحشود بقلوب بيضاء، يتبادلون التهاني التي تذيب الجليد بين المتخاصمين.
ليلة العيد علمتنا أن الانتظار قد يكون أجمل من الوصول أحياناً، لأن فيه تكمن لذة الأمل وحلاوة الترقب.
ليلة العيد وقفة تأمل في قيمة “الأمل” الذي يجدد فينا الرغبة في الحياة والبدء من جديد. وفي تلك اللحظات الساكنة التي تسبق الصلاة، ندرك أن أجمل ما في العيد هو نحن بسلامنا الداخلي بصفحنا عمن أساء إلينا وبأيدينا الممتدة بالحب للجميع. فينتهي الانتظار بابتسامة رضا ممتنين لخالقنا الذي جعل لنا من الأيام محطات للفرح، نخرج إليها بقلوب بيضاء تشبه في نقائها طهر فجر العيد مدركين أن بهجة الانتظار كانت بحد ذاتها رحلة من السعادة لا تُنسى..






