كتب د. محمود رمضان
في عالم الطفولة، حيث تتفتح الأحلام بلا قيود، وتتحول المشاعر إلى ألوان وخطوط، تطل الطفلة المصرية الموهوبة ليلى يوسف بتجربة فنية تستحق التأمل والتشجيع. فمن خلال لوحاتها، تقدم لنا عالمًا بصريًا تتداخل فيه الألوان وتتقاطع الخطوط وتتجاور المساحات في تكوينات تحمل عفوية الطفولة وحرية التعبير.
إن ما يلفت الانتباه في أعمال ليلى ليس مجرد استخدام الألوان، بل الطريقة التي تتفاعل بها العناصر داخل اللوحة؛ فهناك حركة واضحة، وتنوع في الخطوط، وتباين بين المساحات اللونية، يمنح العمل حيوية ويجذب العين إلى اكتشاف تفاصيله. كما أن تداخل الألوان وتوزيعها يفتحان المجال أمام مشاهدات متعددة، بحيث يجد كل متلقٍ إحساسًا أو معنى خاصًا يتشكل وفق رؤيته وخياله.
وتكتسب هذه التجربة أهميتها من ارتباطها بمرحلة عمرية مبكرة -فقد اكملت ليلى عامها الثالث وشرعت في الربع الأول من عامها الرابع- تكون فيها حرية التعبير والاِكتشاف أساسًا لبناء الحس الفني. فالطفل لا يرسم دائمًا ليحاكي الواقع، بل قد يرسم ليعبّر عما يشعر به، مستخدمًا اللون والحركة والخط وسيلةً للتواصل مع العالم من حوله.
إلى أي مدرسة فنية تنتمي لوحات ليلى؟
من الناحية البصرية، يمكن ملاحظة تقارب في بعض ملامح أعمال ليلى مع الفن التجريدي والتعبيرية التجريدية والرسم الإيمائي الحر، وهي اتجاهات تمنح اللون والخط والحركة دورًا أساسيًا في بناء العمل الفني، دون اشتراط تمثيل الأشياء بصورتها الواقعية.
غير أن هذا التشابه يظل وصفًا لطبيعة التكوينات، ولا يعني بالضرورة انتماء الطفلة إلى مدرسة فنية محددة؛ فالتصنيف الدقيق يحتاج إلى متابعة أعمالها عبر الزمن، ودراسة تطور أسلوبها، مع مراعاة طبيعة تجربتها العمرية.
وتبرز القيمة الجمالية لهذه اللوحات في العفوية، وجرأة التعامل مع اللون، والحيوية الناتجة عن تداخل الخطوط والمساحات. وهي عناصر تستحق أن تُقرأ بوصفها بدايات لتجربة فنية قابلة للنمو، لا باعتبارها حكمًا نهائيًا على مستوى الفنانة أو مستقبلها.
الموهبة مسؤولية الأسرة والمجتمع
إن اكتشاف موهبة فنية في سن مبكرة لا يكفي وحده؛ فالموهبة تحتاج إلى بيئة تشجعها، ومساحة آمنة للتجربة، وأدوات مناسبة، وفرص للتعلم دون فرض أسلوب جاهز على الطفل.
ومن هنا تأتي أهمية دور الأسرة في توفير الخامات الفنية، والاحتفاظ بالأعمال وتوثيق تواريخها، وإتاحة الفرصة لليلى كي ترسم بحرية، مع تشجيعها دون ضغط أو مطالبة مستمرة بتحقيق نتائج معينة. كما يمكن للمتخصصين في التربية الفنية مساعدتها على تنمية مهاراتها تدريجيًا، مع الحفاظ على عفويتها ومتعة الرسم لديها.
وتستحق هذه التجربة أيضًا اهتمام المؤسسات الثقافية والفنية، من خلال إتاحة الفرصة لعرض أعمال الأطفال الموهوبين، وتعريف الجمهور بإبداعاتهم، وتشجيع الأسر على رعاية مواهب أبنائها.
معرض «عالم ليلى بالألوان»
ومن الأفكار الجديرة بالتنفيذ تنظيم معرض صغير لأعمال ليلى تحت عنوان «عالم ليلى بالألوان»، تُعرض فيه لوحاتها مصحوبة بصورها وتواريخ إنجازها، بما يسمح للزائر بالتعرف على تجربتها وملاحظة تطورها مع مرور الوقت. ويمكن أن يكون المعرض بدايةً لمبادرة أوسع تحتفي بإبداع الأطفال المصريين وتمنحهم مساحة للتعبير.
إن الاحتفاء بليلى لا يتطلب المبالغة في وصف تجربتها أو التسرع في منحها ألقابًا كبيرة؛ فالحكم الفني الرصين يحتاج إلى أعمال متعددة ومتابعة مستمرة. لكن التشجيع الصادق يبدأ من تقدير ما نراه اليوم، ومنح الموهبة فرصة حقيقية للنمو غدًا.
ليلى يوسف ليست مطالبة بأن تثبت للعالم اليوم أنها فنانة كبيرة؛ بل إن مسؤوليتنا أن نمنحها الفرصة كي تكبر، وأن نترك للفن والزمن والتجربة أن تكشف معًا عن ملامح موهبتها. فربما تكون هذه الخطوط والألوان البسيطة في ظاهرها بداية حكاية فنية جميلة، تستحق أن نتابعها ونرعاها باهتمام ومحبة.










