مقالات
مؤتمرات للبيع… حين تتحول المنصات إلى دكاكين والرسالة إلى فاتورة

بقلم: المستشار الدكتور خالد السلامي
لم تعد بعض المؤتمرات، كما يفترض بها أن تكون، منصات للمعرفة، ولا ساحات لتبادل الخبرات، ولا جسوراً بين العقول والخبرات والمؤسسات. لقد تحولت، في نماذج مؤسفة منها، إلى سوق مفتوح، تباع فيه المقاعد، وتشترى فيه الألقاب، وتوزع فيه الشهادات كما توزع النشرات الدعائية، ويُمنح فيه الضوء لمن يدفع أكثر لا لمن يضيف أكثر.
إنها ظاهرة لا يجوز السكوت عنها؛ لأنها لا تسيء إلى المنظم وحده، بل تسيء إلى قيمة العلم، وإلى هيبة المنصات، وإلى ثقة المجتمع في كل فعالية جادة ومحترمة. وما أخطر أن تتحول المؤتمرات من رسالة إلى تجارة، ومن خدمة عامة إلى مشروع ربحي مغلف بالشعارات البراقة.
لسنا ضد الربح. ولسنا ضد التنظيم الاحترافي. ولسنا ضد أن تكون للمؤتمرات رسوم وتكاليف ورعايات. فهذا أمر طبيعي ومشروع إذا كان في إطاره الصحيح. لكن الاعتراض الحقيقي يبدأ عندما يصبح الهدف الوحيد هو المال، وعندما تكون المعرفة مجرد ديكور، والمتحدثون مجرد أسماء على ملصق، والحضور مجرد أرقام في كشف الإيرادات.
هناك فرق كبير بين مؤتمر له قيمة ويتطلب تمويلاً، وبين مؤتمر لا قيمة له ويُصنع فقط ليجمع المال.
المؤتمر الحقيقي يبدأ بسؤال جاد: ماذا سنضيف؟ أما المؤتمر التجاري البحت فيبدأ بسؤال مختلف: كم سنربح؟
وهنا تكمن الكارثة.
في السنوات الأخيرة، أصبحنا نرى نمطاً متكرراً من الفعاليات التي ترفع عناوين ضخمة أكبر من مضمونها. عناوين من نوع: الريادة، الابتكار، الاستدامة، القيادة، التحول، المستقبل، الذكاء الاصطناعي، التميز، صناعة الأثر. كلمات جميلة بلا شك، لكنها في كثير من الأحيان تصبح غطاءً لفظياً فارغاً، يخبئ خلفه مؤتمراً ضعيف المحتوى، سريع الإعداد، محدود التأثير، كبير الرسوم.
تدخل القاعة فتجد المسرح جميلاً، والإضاءة متقنة، والشعار فاخراً، والتصوير حاضراً، لكنك تسأل: أين الفكرة؟ أين الورقة العلمية؟ أين النقاش العميق؟ أين الخلاصة التي يستفيد منها المجتمع؟ أين التوصيات التي يمكن أن تتحول إلى عمل؟ فلا تجد إلا كلمات عامة، ومجاملات متبادلة، وتصفيقاً متكرراً، وصوراً كثيرة تصلح للنشر أكثر مما تصلح للتاريخ.
وهذا هو الخطر الحقيقي: أن يصبح شكل المؤتمر أقوى من مضمونه، وأن تصبح الصورة أهم من الفكرة، وأن تصبح شهادة المشاركة أغلى من المشاركة نفسها.
بعض المؤتمرات اليوم لا تبحث عن أصحاب الخبرة، بل عن أصحاب القدرة على الدفع. لا تسأل المتحدث: ماذا ستقدم؟ بل تسأله بطريقة مباشرة أو غير مباشرة: ما الذي يمكنك أن تدفعه؟ حتى المنصات، التي يفترض أن تكون مساحة للتأثير المعرفي، أصبحت في بعض الحالات مقاعد تجارية. المتحدث ليس من يملك تجربة عميقة، بل من يستطيع شراء الظهور. والمكرم ليس بالضرورة من يستحق التكريم، بل من يناسبه الظهور في اللحظة المناسبة وبالمبلغ المناسب.
وهذا عبث لا يليق.
المشكلة ليست في وجود رعاة، بل في أن يتحول الراعي إلى صاحب القرار الفكري. ليست المشكلة في وجود رسوم، بل في أن تصبح الرسوم معيار القيمة. ليست المشكلة في تكريم الشخصيات، بل في أن يصبح التكريم تجارة معنوية. وليست المشكلة في المؤتمرات نفسها، بل في من اختطف فكرتها وحولها إلى مشروع علاقات عامة بواجهة معرفية.
إن تكريم الناس أمر نبيل عندما يكون مستحقاً. لكن عندما تصبح الدروع تباع، والشهادات توزع بلا معيار، والألقاب تمنح بلا تدقيق، فإننا لا نكرم أحداً؛ بل نهين معنى التكريم نفسه. فالدرع الذي يعطى لمن يستحق يرفع صاحبه، أما الدرع الذي يوزع لإرضاء الجميع فيفقد قيمته حتى عند المستحقين.
أي قيمة لشهادة حضور تمنح قبل أن يبدأ الحضور؟
وأي قيمة لمنصة لا تفرق بين صاحب تجربة حقيقية وصاحب رغبة في الظهور؟
وأي قيمة لمؤتمر لا يخرج منه الناس بفكرة جديدة، بل بصورة جديدة فقط؟
إن المؤتمرات حين تفقد بوصلتها تتحول إلى مسرح كبير للمجاملات. الجميع يشكر الجميع، والجميع يصف الجميع بالريادة والتميز، والجميع يخرج سعيداً بصورة على المنصة. لكن المجتمع لا يتغير، والمجال لا يتطور، والمعرفة لا تتقدم خطوة واحدة.
وهنا يجب أن نقولها بوضوح: ليست كل فعالية ناجحة لأنها امتلأت قاعتها. وليست كل منصة محترمة لأنها رفعت شعاراً كبيراً. وليست كل شهادة ذات قيمة لأنها طُبعت على ورق فاخر. النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الصور، ولا بحجم اللوحات، ولا بعدد الرعاة، بل بما يتركه المؤتمر بعد انتهائه.
المؤتمر الحقيقي لا ينتهي عند حفل الختام. المؤتمر الحقيقي يبدأ أثره بعد أن تنطفئ الأضواء.
أما المؤتمر التجاري البحت، فيموت في اللحظة التي يغادر فيها آخر مصور القاعة.
من المؤسف أن بعض المنظمين أصبحوا يتعاملون مع المؤتمرات بعقلية السوق السريع: استئجار قاعة، تصميم شعار، جمع أسماء، تسويق مكثف، بيع رعايات، بيع مقاعد، توزيع شهادات، ثم الانتقال إلى فعالية جديدة بالأسلوب نفسه. وكأننا أمام خط إنتاج، لا أمام مشروع معرفي. وكأن الإنسان، بعلمه وخبرته ووقته، تحول إلى مادة تسويقية في إعلان مدفوع.
هذا النوع من التنظيم لا يبني وعياً. لا يصنع قيادات. لا يخدم اقتصاد المعرفة. لا يعزز سمعة البلد. بل يستهلك الثقة العامة ويصيب الناس بحالة من الشك تجاه كل مؤتمر، حتى الجاد منها.
وهذا ظلم للمؤتمرات المحترمة، وللمنظمين الشرفاء، وللمؤسسات التي تعمل بصدق، وللخبراء الذين يقدمون وقتهم وعلمهم بإخلاص.
لذلك يجب أن نفرق بإنصاف. هناك مؤتمرات رفيعة المستوى، تبذل جهداً حقيقياً في اختيار موضوعاتها، وتدقق في متحدثيها، وتحترم جمهورها، وتصدر توصيات نافعة، وتعمل بمعايير واضحة. هذه المؤتمرات تستحق الدعم والحضور والتقدير. لكن في المقابل، هناك مؤتمرات لا علاقة لها بالرسالة إلا بالاسم، ولا علاقة لها بالمحتوى إلا بالعناوين، ولا علاقة لها بالمجتمع إلا بما تأخذه منه.
وهذه يجب أن تُنتقد. بل يجب أن تُحاسب أخلاقياً ومهنياً.
إن الإمارات، بما تمثله من نموذج في التنظيم والتميز وصناعة المستقبل، لا يليق بمشهدها العام أن تتسلل إليه فعاليات هشة تبيع الوهم تحت شعارات براقة. هذه الدولة بنت سمعتها على الجودة، والدقة، والإنجاز، واحترام الوقت، وقيمة الإنسان. ومن غير المقبول أن يستغل البعض هذا المناخ المرموق ليقدم فعاليات ضعيفة، ثم يختبئ خلف اسم المدينة أو فخامة الفندق أو بريق الشعار.
المكان الراقي لا يصنع مؤتمراً راقياً.
والقاعة الفخمة لا تعوض ضحالة المحتوى.
والتصوير المحترف لا يغطي ضعف الفكرة.
والتصفيق لا يمنح الشرعية لمنصة بلا قيمة.
القيمة تصنعها الجدية. تصنعها المعايير. تصنعها الشفافية. يصنعها احترام عقول الناس.
من حق الحضور أن يعرفوا: من اختار المتحدثين؟ وعلى أي أساس؟ من اعتمد المحاور؟ ما القيمة العلمية أو المهنية للمؤتمر؟ ما مخرجاته؟ أين توصياته؟ أين أثره بعد شهر أو ستة أشهر أو عام؟ هل هناك تقرير ختامي؟ هل هناك متابعة؟ أم أن الأمر كله ينتهي عند صورة جماعية وشكر للرعاة؟
ومن حق المتحدث الجاد أن يرفض أن يكون جزءاً من منصة بلا ضوابط. ومن حق الراعي المحترم أن يسأل أين سيذهب اسمه. ومن حق المجتمع أن يميز بين مؤتمر يصنع أثراً ومؤتمر يصنع ضجيجاً.
المؤتمر ليس حفلة علاقات عامة.
وليس منصة لشراء الوجاهة.
وليس مصنعاً للشهادات.
وليس مناسبة لتوزيع الألقاب.
وليس باباً خلفياً للظهور الإعلامي.
المؤتمر مسؤولية.
مسؤولية أمام الحضور الذين اقتطعوا من وقتهم. مسؤولية أمام المتحدثين الذين وضعوا أسماءهم على البرنامج. مسؤولية أمام الرعاة الذين منحوا ثقتهم. مسؤولية أمام المجتمع الذي ينتظر أثراً لا ضجيجاً. ومسؤولية أمام الكلمة نفسها؛ لأن الكلمة حين توضع على منصة تصبح أمانة.
أخطر ما في المؤتمرات التجارية البحتة أنها تربي جيلاً يخلط بين الظهور والإنجاز. يظن أن الصعود إلى المنصة إنجاز، وأن الصورة مع الدرع إنجاز، وأن لقب “متحدث دولي” إنجاز، وأن شهادة مشاركة إنجاز. بينما الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج. الإنجاز الحقيقي يفرض نفسه بعمله وأثره.
إن صناعة الوهم تبدأ عندما نعطي الناس رموز النجاح دون أن يمروا بطريق النجاح. نعطيهم المنصة بلا تجربة، والشهادة بلا معرفة، والتكريم بلا استحقاق، واللقب بلا مضمون. ثم نستغرب لماذا تتراجع الثقة ولماذا يفقد الناس احترامهم لكثير من الفعاليات.
المجتمع الذكي لا تنطلي عليه هذه المظاهر طويلاً. قد يصفق مرة، وقد يجامل مرة، وقد يحضر مرة، لكنه في النهاية يميز. يعرف من يقدم قيمة ومن يبيع صورة. يعرف من يحمل رسالة ومن يحمل فاتورة. يعرف من ينظم ليضيف ومن ينظم ليأخذ.
ولهذا فإن الصمت لم يعد مقبولاً. المجاملة هنا ليست أدباً، بل مشاركة في الخطأ. ومن يحب المنصات الحقيقية يجب أن ينتقد المنصات الزائفة. ومن يحترم المؤتمرات يجب أن يرفض تحويلها إلى تجارة سطحية. ومن يؤمن بقيمة المعرفة يجب أن يقول بوضوح: ليس كل ما يلمع مؤتمراً.
نحتاج اليوم إلى ميثاق شرف للمؤتمرات. ميثاق يضع حدوداً واضحة بين التنظيم المهني والتسويق الفارغ. نحتاج إلى معايير معلنة لاختيار المتحدثين. نحتاج إلى شفافية في الرعايات والرسوم. نحتاج إلى لجان علمية أو مهنية حقيقية لا أسماء شكلية على الورق. نحتاج إلى تقارير ختامية منشورة. نحتاج إلى توصيات قابلة للتنفيذ. نحتاج إلى تقييم مستقل. ونحتاج قبل كل ذلك إلى ضمير مهني.
فالضمير هو أول جهة ترخيص.
قبل القاعة، وقبل الإعلان، وقبل الرعاية، وقبل المنصة.
على المنظم أن يسأل نفسه قبل أن يعلن عن أي مؤتمر: هل أقدم قيمة حقيقية؟ هل أحترم وقت الناس؟ هل أختار المتحدثين بإنصاف؟ هل أضيف للمجال شيئاً؟ هل سيخرج الحضور بأفكار نافعة؟ هل سيبقى لهذا المؤتمر أثر بعد انتهائه؟
إن لم تكن الإجابة واضحة، فالأفضل ألا يعقد المؤتمر أصلاً.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من المؤتمرات التي تكرر الكلام نفسه بأسماء مختلفة. لا نحتاج إلى منصات تستهلك المصطلحات الجميلة دون مضمون. لا نحتاج إلى شهادات تزيد عدد الأوراق ولا تزيد المعرفة. لا نحتاج إلى تكريم يفرغ التكريم من قيمته. ولا نحتاج إلى فعاليات تصنع ضجيجاً ثم تختفي بلا أثر.
نحن نحتاج إلى مؤتمرات أقل عدداً وأكثر قيمة.
نحتاج إلى منصات أصغر حجماً وأعمق أثراً.
نحتاج إلى محتوى يحترم العقول لا إعلان يطارد العيون.
نحتاج إلى من يرفع مستوى الحوار لا من يرفع قيمة الفاتورة.
إن النقد هنا ليس هدماً، بل حماية. حماية للمؤتمرات الجادة من التشويه. حماية للمجتمع من الخداع الناعم. حماية للمشاركين من استغلال رغبتهم في التعلم والظهور. حماية للكلمة من أن تتحول إلى سلعة رخيصة. وحماية للمنصة من أن تصبح دكاناً مفتوحاً لمن يدفع.
قد يغضب البعض من هذا الكلام. ومن حقهم أن يغضبوا إذا وجدوا أنفسهم فيه. لكن الأهم من الغضب أن يراجعوا أنفسهم. فالمقال لا يستهدف شخصاً ولا مؤسسة بعينها، بل يستهدف ممارسة خاطئة تتكرر وتتمدد وتحتاج إلى وقفة صادقة.
نعم، التنظيم عمل محترم عندما يكون محترماً.
والربح مشروع عندما لا يبتلع الرسالة.
والتسويق مطلوب عندما لا يخدع الجمهور.
والرعاية مفيدة عندما لا تتحكم في القيمة.
والمنصة عظيمة عندما يعرف من يصعد إليها لماذا صعد.
أما أن تتحول المؤتمرات إلى تجارة مقنعة، فهذا أمر لا يجب أن يمر بصمت.
لأن المنصات التي لا تحترم عقول الناس تفقد احترام الناس.
والشهادات التي توزع بلا قيمة تصبح بلا قيمة.
والألقاب التي تمنح بلا معيار تصبح عبئاً على أصحابها.
والمؤتمرات التي تعيش على المال وحده تموت عند أول سؤال حقيقي: ماذا قدمتم؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يسبق كل مؤتمر وأن يلحق كل مؤتمر: ماذا قدمتم؟
لا كم جمعتم.
لا كم صورة نشرتم.
لا كم درعاً وزعتم.
لا كم إعلاناً أطلقتم.
بل ماذا قدمتم؟
إذا لم يكن لدى المؤتمر جواب محترم، فكل ما عداه مجرد ضجيج منظم.
والضجيج، مهما ارتفع، لا يصنع قيمة





