الدين و الحياةمقالات

ما بين الوقفة والعيد الحكاية التي لا نرويها. بقلم: إسراء محمد

ما بين الوقفة والعيد الحكاية التي لا نرويها

 

بقلم: إسراء محمد

 

في كل عام ننتظر العيد كأنه فرحة مؤكدة
لكننا لا ننتبه أبدًا لتلك اللحظة التي تسبقه، اللحظة الأصدق، والأكثر إنسانية لحظة الوقفة
يوم الوقفة ليس مجرد يوم عادي في نهاية رمضان
بل هو مرآة
مرآة نرى فيها أنفسنا بوضوح لم نعتده
نسأل فيها السؤال الذي نهرب منه طوال العام
هل كنا كما ينبغي؟ أم كنا فقط نحاول أن نبدو كذلك؟
في هذا اليوم لا شيء يمر مرور الكرام
حتى التفاصيل الصغيرة تصبح لها معنى
صوت الملاعق في المطبخ
رائحة الكعك التي تتسلل إلى القلوب قبل الأنوف
نظرة أمٍّ تحاول أن تُخفي تعبها خلف ابتسامة
وأبٌ يحسبها في صمت كيف يُدخل الفرحة على بيته، ولو بأبسط الطرق
الأطفال وحدهم لا يفهمون كل هذا
ويا ليتنا بقينا مثلهم
ينتظرون العيد بفرحة خالصة، بلا حسابات بلا خوف من الغد
يؤمنون أن الفرح حق لا شيء يجب أن يفسده
أما نحن
فنقف في المنتصف
بين فرحة العيد وحزن الرحيل
بين ما كنا عليه قبل رمضان وما أصبحنا نحلم أن نكون عليه بعده
وقبل أذان المغرب الأخير
تتوقف الحياة للحظة
كأن الكون كله ينتظر معنا
صمت غريب لا يشبه أي صمت،
يحمل في داخله امتنانًا عميقًا وخوفًا خفيًا أن يكون هذا آخر رمضان مرّ علينا
ثم يُرفع الأذان
فنُفطر
لكننا لا نأكل فقط
نودّع
نودّع أيامًا علّمتنا كيف نكون أقرب
ليالي بكينا فيها دون أن يرانا أحد
ودعوات قلناها ونحن لا نملك إلا الأمل
ثم تأتي ليلة العيد
الليلة التي لا تعرف هل هي نهاية أم بداية
المدينة تتغيّر فجأة
الأضواء تشتعل الشوارع تمتلئ الضحكات ترتفع
وكأن الحياة تعتذر لنا عن كل ما مضى
لكن وسط هذا كله
هناك شيء لا يُقال
شيء يسكن القلوب بهدوء
حنين
حنين لأيام مرت سريعًا
ولحظات كنا فيها أقرب إلى أنفسنا وأكثر صدقًا
في تلك الليلة لا ينام القلب بسهولة
ليس لأنه مشغول
بل لأنه يشعر أن هناك شيئًا مهمًا يحدث
ثم يأتي الصباح
صباح العيد
لا يشبه أي صباح
حتى الشمس تبدو وكأنها تشرق بطريقة مختلفة
نخرج للصلاة بقلوب خفيفة
نردد التكبيرات فنشعر أن العالم كله يتسع فجأة
وكأن كل الضيق الذي عشناه كان مجرد لحظة عابرة
في صفوف الصلاة تختفي الفوارق
لا أحد يسأل من أنت ولا ماذا تملك
الجميع يقف أمام الله بنفس القلب
باحثًا عن قبول، وعن بداية جديدة
وهنا نفهم
نفهم أن العيد ليس في الملابس الجديدة
ولا في الحلوى ولا حتى في الزيارات
العيد الحقيقي
هو أن تشعر أنك أخف
أنك تصالحت مع نفسك
أنك سامحت أو على الأقل حاولت
أنك قررت أن تبدأ من جديد حتى لو لم تعرف كيف
بعد الصلاة تبدأ الحكايات التي لا تُكتب في الأخبار
أحضان تأخرت
ابتسامات كانت غائبة
وكلمات بسيطة لكنها تغيّر كل شيء
حقك عليا
وحشتني
كل سنة وأنت طيب
كم من قلب عاد للحياة في العيد؟
وكم من روح كانت على وشك أن تنطفئ فعادت تضيء؟
العيد لا يصنع المعجزات
لكنه يذكّرنا أننا قادرون عليها
لكن الحقيقة التي لا يحب أحد أن يتحدث عنها هي
أن العيد اختبار
ليس اختبارًا للفرح
بل اختبار لما بعده
هل سنبقى كما كنا في رمضان؟
هل سيظل هذا النور داخلنا؟
أم سنعود كما كنا وننسى كل شيء؟
السؤال صعب
لكن الإجابة أبسط مما نظن
الأمر لا يحتاج أن نكون مثاليين
ولا أن نفعل كل شيء كما ينبغي
يكفي فقط
أن لا ننسى
أن نحمل معنا شيئًا صغيرًا من رمضان
ركعة لا نتركها
دعاء لا ننقطع عنه
نية صادقة بأن نحاول حتى لو فشلنا
لأن الحياة لا تتغير بالقرارات الكبيرة
بل بتلك التفاصيل الصغيرة التي نلتزم بها رغم كل شيء.
ما بين الوقفة والعيد
نعيش لحظة لا تتكرر
لحظة نكون فيها أقرب ما يمكن إلى حقيقتنا
وأصدق ما يمكن مع أنفسنا
فلا تتركها تمر
لا تجعل العيد مجرد يوم جديد في التقويم
ولا تجعل رمضان ذكرى بعيدة.
اجعل بينهما جسرًا
تعبر عليه إلى نسخة أفضل منك.
وفي النهاية
تذكّر دائمًا
أن العيد لا يأتي ليُسعدك فقط
بل ليُذكّرك أنك تستحق السعادة
وأن كل بداية حقيقية
تبدأ من الداخل

ما بين الوقفة والعيد الحكاية التي لا نرويها. بقلم: إسراء محمد
ما بين الوقفة والعيد الحكاية التي لا نرويها. بقلم: إسراء محمد

زر الذهاب إلى الأعلى