ما يتعلمه الانسان عندما يتألم بقلم/نشأت البسيوني
ما يتعلمه الانسان عندما يتألم بقلم/نشأت البسيوني

ما يتعلمه الانسان عندما يتألم
بقلم/نشأت البسيوني
حين يدخل الانسان منطقة الألم يظن في البداية أنه ينهار وأن ما يعرفه عن نفسه يتفكك وأن الأيام تتخلى عنه لكنه لا يدرك أن الألم مدرسة سرية لا يدرس فيها إلا من تُفتح لهم أبواب التجارب الصعبة وأن كل لحظة موجعة تحمل درسًا لا يمكن الحصول عليه من الفرح ولا من الرفاهية ولا من الطرق الممهدة فالألم يجعل الانسان يرى نفسه من زاوية لم يعرفها من قبل يجعله يكتشف مقدار تحمله
ومقدار ضعفه ومقدار حاجته لمن حوله ومقدار الوحدة التي يعيشها دون أن يعترف بها ويجعله يعرف حقيقة الأشخاص الذين وثق بهم وحقيقة العلاقات التي علق عليها آمالًا كبيرة وحقيقة المسافات التي كان يظن أنها قريبة بينما هي بعيدة جدا ومع الوقت يلاحظ الانسان أنه أصبح يفهم ما لم يفهمه سابقا وأصبح يميز بين الكلام الصادق والكلام العابر وبين الوعود الحقيقية والوعود التي
تقال للهروب لا للوفاء وأصبح يدرك أن بعض القلوب لم تكن تستحق أن تمنح كل ذلك المكان في حياته وأن بعض الأحلام لم تكن تستحق أن يبذل كل ذلك الجهد لتحقيقها فالألم يعيد ترتيب الأولويات دون أن يطلب رأيك ويعيد بناء شخصيتك دون إذن ويجعلك تعود إلى نفسك من جديد بعد أن كنت تائهًا في الآخرين وبعد أن كنت تمنح طاقتك لمن لا يقدرها وبعد أن كنت تخاف من
الفقد أكثر مما تخاف من البقاء في أماكن تستنزفك ومع كل وجع يمر يكتشف الانسان أنه أكثر صلابة وأكثر وعيًا وأكثر قدرة على التمييز وأكثر قُربًا من ذاته وأنه لم يعد يعتمد على العالم ليشعر بقيمته ولم يعد ينتظر من أحد أن يثبت له أنه يستحق ولم يعد يخاف من الرحيل ولا من النهاية ولا من التغيير بل صار يخاف فقط من أن يعود إلى ما كان يؤذيه لأن الألم علمه ألا يعود إلى ما
كسره وأن يحمي قلبه كما يحمي حياته وأن يعرف حدوده وأن يعرف قيمته وأن يمضي إلى الأمام حتى لو لم يصفق له أحد وحتى لو كان الطريق فارغًا وحتى لو كان الخوف يمشي معه في كل خطوة وفي نهاية كل ألم يفهم الانسان أن ما نجا منه لم يكن صدفة وأن ما خرج منه كان نقطة تحول وأن ما تعافى منه أعاد خلقه بشكل جديد شكل أكثر قوة وأكثر نضجا وأكثر قدرة على العيش
بسلام مع نفسه ومع العالم من حوله وهذا هو جوهر المدرسة التي لا يتمنى أحد دخولها لكنها وحدها التي تصنع الانسان الحقيقي




