ثقافة وفن
أخر الأخبار

مدرسة “المدبوليزم” في الفن المصري: فلسفة التلقائية وصناعة الضحك الخالد كتب: أشرف عبده

الضحك الراقي

مدرسة “المدبوليزم” في الفن المصري: فلسفة التلقائية وصناعة الضحك الخالد

كتب: أشرف عبده

من باب الشعرية، حيث ولد في 28 ديسمبر 1921 لأسرة فقيرة فقد عائلها وهو رضيع، إلى تخرجه من كلية الفنون التطبيقية – قسم النحت حيث عمل مدرساً، ثم تخرجه في المعهد العالي لفن التمثيل العربي عام 1949 ضمن ثاني دفعاته، بدأ عبد المنعم مدبولي (1921 – 2006) رحلة نصف قرن ليست كفنان فقط، بل كمؤسس لمنهج فني متكامل أطلق عليه النقاد “المدبوليزم”. وهو منهج لم يكن مجرد أسلوب تمثيل، بل فلسفة حياة للضحك الراقي.

* أولاً: التأسيس.. أربع فرق صنعت تاريخ المسرح المصري*

لم يبدأ مدبولي من الفراغ، بل ظهر لأول مرة كـ “أعرابي” مع فرقة المسرح المصري الحديث لزكي طليمات، وذاع صيته عبر برنامج “ساعة لقلبك” الإذاعي مع فؤاد المهندس وأمين الهنيدي.

الضحك الراقي

ثم أسس أربع محطات مفصلية:

المسرح الحر 1952: قدمت روائع مثل “الأرض الثائرة” و”حسبة برما” و”خايف أتجوز”.

المسرح الكوميدي 1963: أخرج لها أيقونات مثل “جلفدان هانم” و”أنا وهو وهي” و”السكرتير الفني” و”المفتش العام”.

الفنانين المتحدين 1966: شارك في تأسيسها وقدم “البيجاما الحمراء” و”الزوج العاشر” و”العيال الطيبين”.

فرقة المدبوليزم 1975: وهي التتويج الرسمي لمدرسته، حيث أسس فرقته الخاصة لتقديم فلسفته الخالصة عبر مسرحيات “مع خالص تحياتي”، “راجل مفيش منه”، “مولود في الوقت الضائع”، و”يا مالك قلبي”.

* ثانياً: فلسفة المدبوليزم.. ثلاثية الضحك والدمعة والانضباط*

قامت المدرسة على ثلاث ركائز جعلتها تدرس أكاديمياً حتى اليوم:

1. التلقائية والصدق الشعبي: لم يعتمد على النكتة المصطنعة، بل على تعبيرات الوجه، وحركة الجسد العفوية، ونبرة صوت المواطن البسيط. كان يؤمن أن الضحكة الحقيقية تأتي من الموقف لا من الإفيه.

2. البكاء في قلب الضحك (الكوميديا السوداء): وهي السمة الأهم. كوميديا مدبولي كانت دائماً مبكية. شخصياته مثل “مرزوق في إحنا بتوع الأتوبيس” أو “ريشة في مولد يا دنيا” تضحكك ثم تكسر قلبك، لأنها تعكس قهر الإنسان المصري البسيط وصراعه مع الفقر والسلطة.

3. الانضباط الصارم والارتجال المحسوب: رغم شهرته بالارتجال، كان مخرجاً صارماً جداً في الإيقاع المسرحي. كان يمنح الممثل مساحة للارتجال لكن داخل النص، رافضاً تماماً الهبوط لمستوى الابتذال أو الخروج عن الفكرة. لهذا سميت مدرسته “الضحك الراقي”.

**ثالثاً: صانع النجوم.. الأب الروحي الذي لم يخف المنافسة**

ربما يكون أعظم إنجازات مدبولي هو أنه لم يكن نجماً أنانياً، بل كان “مفرخة نجوم”. فتح خشبته للشباب ومنحهم البطولة وهو في قمة مجده.

عادل إمام: اكتشفه وقدمه في “أنا وهو وهي” بدور “دسوقي أفندي”، ثم أخرج له “مدرسة المشاغبين” وشارك معه في دور الناظر قبل أن يصبح إمام هو “بهجت الأباصيري”.

 

سعيد صالح ويونس شلبي وأحمد زكي: انطلقوا من تحت عباءته في مسرحيات “هاللو شلبي” و”مدرسة المشاغبين”.

محمد صبحي: صقل موهبته في بداياته الكبرى تحت توجيهه المباشر.

فؤاد المهندس: شكل معه أقدم ثنائي كوميدي مصري في الإذاعة والمسرح.

واستمر عطاؤه حتى سنواته الأخيرة كضيف شرف يمنح القيمة لأفلام الشباب مثل “عايز حقي” مع هاني رمزي و”أريد خلعاً” مع أشرف عبد الباقي.

*رابعاً: خارج الكوميديا.. التراجيديا وأغاني الطفولة*

رغم تأخره سينمائياً حتى 1958 بفيلم “أيامي السعيدة”، قدم أكثر من 150 فيلماً. منا ينسى “دكتور خشبة” في مطاردة غرامية، و”مرزوق” في إحنا بتوع الأتوبيس، و”ريشة” في مولد يا دنيا، والحفيد.

وفي الدراما، حفر اسمه كـ “بابا عبده” في “أبنائي الأعزاء.. شكراً”، وهو الدور الذي كرمه عليه الرئيس أنور السادات شخصياً.

ولم ينس الأطفال، فقدم منهجاً تربوياً كاملاً عبر أغاني خالدة ما زالت تدرس: “توت توت”، “جدو عبده زارع أرضه”، “كان في واد اسمه الشاطر عمرو”، و”الشمس البرتقالي”.

*خامساً: التكريم الذي يليق بإمبراطور الكوميديا*

حصد مدبولي ما لم يحصده فنان كوميدي: جائزة أحسن ممثل عن الحفيد ومولد يا دنيا، وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى 1983، وجائزة الدولة التقديرية 1984، وهو أول فنان عربي تكتب عنه دائرة المعارف النمساوية.

*الخاتمة:*

رحل عبد المنعم مدبولي في 9 يوليو 2006 عن 84 عاماً، لكنه ترك لنا حقيقة مهمة: أن “المدبوليزم” لم تكن مجرد مدرسة للضحك، بل كانت مدرسة للأخلاق. أثبت أن الفنان الحقيقي هو من يزرع البسمة ويصنع الأجيال ويبقى حياً في وجدان الناس، حتى بعد أن يسدل الستار.

زر الذهاب إلى الأعلى