صدى مصر

مراسم الختام لمن اتّقى. بقلم : إسراء محمد

مراسم الختام لمن اتّقى

بقلم : إسراء محمد

ليس أخطر ما في رمضان أنه ينتهي, بل أخطر ما فيه أنك تخرج منه كما دخلت, دون أن يتغير فيك شيء دون أن تلمس روحك تلك اللحظة التي كنت تنتظرها ودون أن تشعر أن الله اقترب منك خطوة لأنك اقتربت أنت أولًا.

يمرّ رمضان كل عام, لكن لا يمرّ على الجميع بنفس الطريقة, هناك من يخرج منه خفيف القلب وكأن ذنوبه سقطت عنه واحدة تلو الأخرى, وهناك من يخرج منه مثقلًا كما كان, وربما أكثر لأنه أدرك أنه كان أمام فرصة عظيمة ولم يُحسن اغتنامها, وبين هذا وذاك يقف كل واحدٍ منا الآن في لحظة صادقة لا تحتمل التزييف, يسأل نفسه بصمت: ماذا أخذت من رمضان؟ وماذا تركت فيه؟.

في البداية كنا نظن أن الطريق طويل, وأن لدينا وقتًا كافيًا لنفعل كل ما نريد, كنا نؤجل ونقول “غدًا سأبدأ, في العشر الأواخر سأجتهد, سأعوض ما فات, لكن الأيام لم تنتظر أحدًا وانقضت سريعًا وكأنها كانت تختبرنا, والآن لم يعد هناك غدٌ نؤجّل إليه, بل هناك نهاية تفرض علينا مواجهة أنفسنا كما هي بلا أعذار.

رمضان لم يكن مجرد صيامٍ عن الطعام والشراب, بل كان صيامًا عن كل ما يثقل الروح, عن الغضب, عن القسوة, عن التعلّق الزائد بالدنيا. كان فرصة لنكتشف أننا نستطيع أن نكون أفضل, أن نكسر عادات ظننا أنها جزء منّا, أن نقترب من الله, لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل فعلنا ذلك حقًا؟ أم اكتفينا بالشكل وتركنا الجوهر؟…

الإنسان لا يُقاس بما يظهره للناس, بل بما يفعله حين يكون وحده, في تلك اللحظات التي لا يراه فيها أحد, حين يختار بين أن يطيع أو يعصي, بين أن يقترب أو يبتعد. رمضان كان مليئًا بهذه اللحظات, وكان يمنحنا كل يوم فرصة جديدة لنختار الطريق الصحيح, لكن ليست كل الفرص تُستغل، وليست كل القلوب تستجيب…

ومع اقتراب النهاية, يبدأ شعور غريب في التسلل إلى القلب, مزيج من الحزن والخوف, حزن على أيامٍ لن تعود بنفس الصفاء, وخوف من أن نكون قد ضيّعنا ما كان يمكن أن يكون نقطة تحول في حياتنا. وهذا الشعور رغم ثقله هو أجمل ما في الختام، لأنه يعني أن القلب لم يمت, وأنه لا يزال يشعر, لا يزال يبحث, لا يزال يريد أن يكون أفضل…

المشكلة أن نكون خسرنا جراء تقصيرنا, وكلنا نقصّر, ولكن المشكلة الحقيقية أن نرضى بهذا التقصير ونتقبل الخسارة, أن نمرّ مرور العابرين وكأن رمضان لم يكن إلا عادة تتكرر كل عام, الحقيقة التي لا نحب مواجهتها هي أن التغيير لا يأتي من كثرة الكلام, بل من لحظة صدق واحدة, من قرار داخلي لا يراه أحد، لكنه يغيّر كل شيء.

رمضان هو مدرسة أخلاقية, لكن ليس كل من دخلها تعلّم, فرصة, لكن ليس كل من أُتيحت له قد استغلها, نداءً لكن منا من لم يسمع واستجاب. والآن ونحن في ساعات الوداع, لا يبقى معنا إلا ما صدقنا فيه, وما أخلصنا له, وما تغيّر بالفعل في داخلنا. وإذا اجتهدت فلا تنخدع بكثرة ما فعلت, وأيضًا لا تيأس من قلة ما قدمت, فالقضية ليست في الكم, بل في الصدق ذاته. قد تكون ركعة واحدة صادقة أقرب إلى الله من مئات الركعات التي غاب عنها القلب بأيام أخر, وقد تكون دمعة خفية في جوف الليل قد أثقلت ميزانك وأصدق من أعمال كثيرة لم تشعر فيها بشيء…

أصعب اختبار ليس في رمضان, بل بعده, حين تختفي الأجواء التي كانت تدفعك, حين يعود كل شيء كما كان, حين لا يكون هناك من يذكّرك كل لحظة, هنالك سيظهر الصادق من العابر, سيتضح من كان يعبد الله ومن كان يعبد أجواء رمضان. وإن كنت قد وجدت نفسك في رمضان فلا تتركها تضيع منك بعده, تمسّك بأي شيء تغيّر فيك حتى لو كان بسيطًا, لا تحاول أن تكون مثاليًا فقط, حاول أن تكون صادقًا, فالله لا يريد منك الكمال, وإنما يريدك أن تقترب كلما ابتعدت وأن تحاول كلما فشلت…

لا تجعل آخر يوم في رمضان هو آخر أيامك مع الطاعة, لا تجعل القرآن الذي صاحبك يُهجر, ولا الدعاء الذي اعتدت عليه يُنسى, ولا تلك اللحظات التي شعرت فيها بالقرب أن تضيع وكأنها لم تكن, بينما عليك أن تجعل من النهاية بداية لا خاتمة. وفي زحمة هذا الوداع لا تنسَ أن أهم ما تطلبه ليس أن تكون قد فعلت الكثير, بل أن يكون الله قد تقبّل منك القليل, فكم من عملٍ كبيرٍ ضاع لأنه لم يكن خالصًا, وكم من عملٍ صغيرٍ عظم عنده, لأنه خرج من قلبٍ صادق.

وربما الحقيقة التي يجب أن نقف أمامها الآن دون هروب هي هذه, رمضان لم يأتِ ليُغيّر حياتك في ثلاثين يومًا, بل جاء ليُريك أنك قادر على التغيير, والبقية عليك, فإن خرجت من هذا الشهر بنفس العادات ونفس الأخطاء ونفس البُعد, فالمشكلة لم تكن في رمضان, بل لديك أنت, أمّا إن خرجت ولو بخطوة واحدة نحو الله فاعلم أنك على الطريق الصحيح وأن الله لا يضيع من أحسن.

في النهاية لا تقِس رمضان بعدد الأيام التي صمتها, ولا بعدد الركعات التي صليتها, بل بما تركته هذه الأعمال في قلبك, فإن وجدت في نفسك لينًا بعد قسوة, وهدوءًا بعد ضجيج, وصدقًا بعد غفلة فهنيئًا لإحسانك, فقد أدركت المعنى. أما إن شعرت بأن شيئًا ما انكسر داخلك وأنت تودّعه, فتمسّك بهذا الشعور, لأنه قد يكون بداية كل شيء, لا تهرب منه, بل اجعله دافعًا, اجعله وعدًا ونقطة انطلاق جديدة. في لحظة الختام تذكّر أن الله لا ينظر إلى كيف بدأت, بل إلى كيف انتهيت, ولا إلى كم عملت, بل إلى كيف صدقت, ولا إلى عدد خطواتك, بل إلى اتجاهها. فإما أن يكون رمضان شاهدًا لك أو شاهدًا عليك, ولا أحد يعلم أيهما سيكون إلا أنت.

إسراء محمد

مراسم الختام لمن اتّقى بقلم : إسراء محمد
مراسم الختام لمن اتّقى بقلم : إسراء محمد

زر الذهاب إلى الأعلى