مقالات

من أمجاد الماضي إلى تحديات الحاضر: حين يتحول التاريخ إلى مشروع للمستقبل

من أمجاد الماضي إلى تحديات الحاضر: حين يتحول التاريخ إلى مشروع للمستقبل

من أمجاد الماضي إلى تحديات الحاضر: حين يتحول التاريخ إلى مشروع للمستقبل

محمود سعيد برغش

 

تحل علينا ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة، فتستيقظ في وجدان المصريين والعرب مشاعر الفخر والاعتزاز، وتعود إلى الذاكرة واحدة من اللحظات التي أثبتت فيها الإرادة العربية أن المستحيل قد يصبح ممكنًا حين تتوافر وحدة الهدف، والإرادة، والتخطيط.

 

وليس الحديث عن انتصارات أكتوبر حديثًا عن معركة عسكرية فحسب، بل عن أمة امتلكت في لحظة فارقة القدرة على استعادة زمام المبادرة، بعد سنوات من الألم والتحديات.

 

وحين ننظر إلى تاريخ مصر، ندرك أن قصة الإنجاز لم تبدأ في أكتوبر 1973، وإنما تمتد جذورها إلى آلاف السنين. فقد قامت على هذه الأرض حضارة قديمة تركت آثارًا بارزة في مجالات الهندسة والطب والفلك والإدارة والكتابة، وأثبتت أن الإنسان المصري امتلك منذ القدم قدرة على التنظيم والإبداع وبناء الحضارة.

 

أكتوبر.. عندما اجتمعت الإرادة

 

كان نصر أكتوبر نموذجًا لتلاقي الإرادة المصرية مع المساندة العربية. فقد شاركت دول عربية في دعم مصر وسوريا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا بدرجات وأشكال مختلفة، وكان للتضامن العربي في تلك المرحلة حضور مهم في مسار الصراع.

 

وهنا تظهر قيمة التاريخ الحقيقية: ليس في ترديد أسماء المعارك والانتصارات فقط، وإنما في فهم العوامل التي صنعتها؛ التخطيط، والاستعداد، والعلم، والإرادة، والتعاون، وتحمل المسؤولية.

 

من معركة السلاح إلى معركة العلم

 

لكن العالم تغير.

 

فالمعركة الأساسية في عصرنا لم تعد تُحسم بالسلاح وحده، وإنما أصبحت المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد والبحث العلمي من أهم عناصر قوة الدول.

 

لقد قطعت دول كثيرة أشواطًا واسعة في الذكاء الاصطناعي، والصناعات المتقدمة، والرقمنة، والطاقة، والطب، والفضاء، وأصبح التفوق العلمي والتكنولوجي عنصرًا رئيسيًا في تحديد موقع الدول في عالم سريع التغير.

 

ومن هنا يفرض الحاضر علينا سؤالًا أكثر أهمية من مجرد: ماذا فعل أجدادنا؟

 

السؤال هو: ماذا سنفعل نحن؟

 

لا يكفي أن نفتخر بالحضارة

 

إن أعظم خطأ يمكن أن نقع فيه هو أن تتحول الحضارة إلى مجرد وسيلة للفخر، بدلًا من أن تكون مصدرًا للإلهام.

 

فالأمم لا تعيش على أمجاد الماضي وحدها، والتاريخ لا يمنح المستقبل تلقائيًا.

 

إذا كان المصري القديم قد بنى المعابد، وشق الطرق، وراقب النجوم، وطوّر أدواته، وإذا كان جيل أكتوبر قد خاض معركة التحرير بالإعداد والتخطيط والتضحية، فإن جيل اليوم أمام معركة أخرى: معركة بناء الإنسان وإنتاج المعرفة.

 

وهذه المعركة تبدأ من المدرسة والجامعة والمصنع والمعمل، ومن احترام العلماء والباحثين وأصحاب الأفكار، ومن تحويل المعرفة إلى صناعة، والبحث العلمي إلى منتجات، والأفكار إلى مشروعات.

 

مصر والعالم العربي.. فرصة للتكامل

 

ولا ينبغي أن يكون التعاون العربي مجرد شعار موسمي نستعيده في المناسبات.

 

فالعالم اليوم يقوم على التكتلات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، ومن ثم فإن التعاون العربي في مجالات التعليم والبحث العلمي والصناعة والطاقة والتكنولوجيا يمكن أن يفتح مجالات واسعة أمام الأجيال القادمة.

 

فالقوة ليست فقط في حجم الدولة، وإنما في قدرتها على إنتاج المعرفة، وحماية عقولها، والاستفادة من مواردها، وبناء اقتصاد قادر على المنافسة.

 

كيف نستعيد روح أكتوبر؟

 

استعادة روح أكتوبر لا تعني تكرار الماضي، وإنما استلهام مبادئه.

 

تعني أن نؤمن بأن الهدف الكبير يحتاج إلى تخطيط كبير.

 

وأن النجاح يحتاج إلى علم.

 

وأن بناء الدولة يحتاج إلى إنسان قادر على العمل والإبداع وتحمل المسؤولية.

 

وأن التعاون لا يعني إلغاء الاختلاف، وإنما القدرة على الاجتماع حول المصالح والأهداف المشتركة.

 

لقد أثبت التاريخ أن مصر تستطيع أن تعبر أصعب المراحل عندما تتوافر الإرادة والعمل.

 

لكن عبور المستقبل يحتاج إلى جسر جديد، أساسه التعليم، وأعمدته البحث العلمي، ومحركه الصناعة، وطاقته الشباب، وهدفه بناء اقتصاد معرفي قادر على المنافسة.

 

المستقبل لا ينتظر أحدًا

 

إن الاحتفال بأكتوبر يجب ألا يكون مجرد احتفال بانتصار مضى، بل مناسبة نسأل فيها أنفسنا: هل نستطيع أن نصنع انتصارًا جديدًا في العلم والاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا؟

 

فقد تكون المعركة القادمة بلا ميادين قتال، ولا دبابات، ولا طائرات.

 

قد تكون داخل المعامل والجامعات ومراكز الأبحاث والشركات ومصانع التكنولوجيا.

 

وقد يكون السلاح فيها هو العلم، والدرع هو الاقتصاد، والقوة الحقيقية هي الإنسان.

 

وهنا يصبح أعظم وفاء للماضي ليس أن نبقى أسرى له، وإنما أن نبني حاضرًا يليق به، ومستقبلًا يضيف صفحة جديدة إلى تاريخ مصر.

 

فالأمم التي تحترم تاريخها لا تعيش فيه…

بل تجعل منه نقطة انطلاق نحو المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى