من المدرسة إلى الجامعة..
الدكتورة سالي كمال محمد ورؤية تربوية تتجاوز حدود التعليم
بقلم: د. رشا ربيع الجزار
ليست قيمة القيادات التربوية في حجم المسؤوليات التي تحملها فحسب، وإنما في قدرتها على النظر إلى التعليم باعتباره منظومة متكاملة، تبدأ من بناء شخصية الطالب في المدرسة، وتمتد إلى تأهيله للحياة الجامعية، ثم إلى إعداده ليكون عنصرًا فاعلًا في المجتمع.
ومن هذا المنطلق، كان لقائي بالدكتورة سالي كمال محمد، رئيس مجلس إدارة مدرسة الريتاج للغات، لقاءً حمل بُعدًا تربويًا وفكريًا يتجاوز حدود المؤسسة التعليمية، وفتح أمامي مساحة للتأمل في العلاقة بين التعليم قبل الجامعي والتعليم الجامعي، باعتبارهما حلقتين متكاملتين في بناء الإنسان.
فالتربية الحقيقية لا تتوقف عند مرحلة عمرية أو مؤسسة تعليمية بعينها، وإنما هي مسار متصل تتكامل خلاله الأدوار بين المدرسة والجامعة والأسرة والمجتمع. وكلما نجح التعليم قبل الجامعي في بناء شخصية متوازنة، قادرة على التفكير والحوار وتحمل المسؤولية، أصبح الانتقال إلى التعليم الجامعي أكثر نضجًا واستعدادًا.
وهنا تظهر أهمية القيادة التربوية الواعية؛ فمدير المؤسسة التعليمية الناجح لا يدير العملية التعليمية بمعزل عن المستقبل، بل ينظر إلى ما وراء المرحلة الدراسية، ويعمل على إكساب الطالب المهارات والقيم التي يحتاج إليها في المراحل التالية من حياته الأكاديمية والمهنية.
وقد لمست خلال اللقاء مع الدكتورة سالي اهتمامًا واضحًا بهذا المعنى؛ فالتعليم في رؤيتها ليس مجرد نقل للمعلومات، وإنما بناء متكامل للإنسان، يجمع بين المعرفة والمهارة والقيم، ويهيئ الطالب ليكون قادرًا على التعلم المستمر ومواجهة متغيرات المستقبل.
ومن وجهة نظري كباحثة في مجال التربية، فإن التكامل بين التعليم المدرسي والتعليم الجامعي أصبح ضرورة وليس رفاهية. فالجامعة تستقبل مخرجات المدرسة، والمدرسة مطالبة بأن تهيئ طالبًا قادرًا على الانتقال إلى التعليم الجامعي بوعي واستقلالية، بينما تحتاج الجامعة إلى البناء على ما اكتسبه الطالب من معارف ومهارات وقيم خلال مراحل تعليمه السابقة.
إننا اليوم في حاجة إلى إعادة النظر في مفهوم النجاح التعليمي؛ فالنجاح الحقيقي لا يتمثل فقط في ارتفاع الدرجات، وإنما في تخريج إنسان يمتلك القدرة على التفكير، والتعلم، والإبداع، والتواصل، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية.
ومن هنا أرى أن النماذج القيادية التي تربط بين التربية والتعليم وبناء الإنسان والاستعداد للتعليم الجامعي تستحق التقدير والاهتمام؛ لأنها تتعامل مع التعليم باعتباره مشروعًا مستقبليًا، لا مجرد مرحلة دراسية مؤقتة.
وفي ختام هذا اللقاء، أعبّر عن خالص تقديري للدكتورة سالي كمال محمد، ليس فقط لما تقدمه في مجال الإدارة التعليمية، وإنما لما تمثله من نموذج يمكن أن يفتح حوارًا أوسع حول مستقبل التعليم، وكيفية بناء جسور حقيقية بين المدرسة والجامعة، بما يخدم الطالب ويصنع جيلًا أكثر وعيًا وقدرة على صناعة المستقبل.
لقاء يحمل قيمة إنسانية وفكرية، وشخصية تؤكد أن القيادة التعليمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، وتمتد آثارها إلى المجتمع ومستقبل الأجيال








