ميراث الخطيئة
بقلم : عماد نويجي
الفصل الثاني
الورقة التي لم تصل إلى صاحبها
ظل يوسف جالسا أمام مكتب أبيه حتى بدأت خيوط الفجر تتسلل من بين قضبان النافذة
كانت الورقة بين يديه باردة كأنها انتُزعت من قبر لا من درج خشبي قديم
خمسة أسماء
خمسة أشخاص ربط بينهم أبوه بخطيئة لم يجرؤ على تسميتها
عبد الستار النجار
فؤاد الشربيني
أمينة
الأستاذ جلال
وسالم البدري
لم يكن يوسف يعرف سالم البدري إلا من حكاية قديمة سمعها في طفولته عن تاجر اختفى من القرية بعد أن خسر أمواله ودخل السجن بتهمة تزوير مستندات الأراضي
لكن ما علاقة أبيه بذلك الرجل
ولماذا كتب أنه دفع الجميع ثمن خطيئته
أعاد يوسف قراءة الرسالة بحثا عن سطر آخر ربما فاته لكنه لم يجد سوى جملة أخيرة مكتوبة أسفل الأسماء
لا تثق بمن يطلب منك أن تحافظ على اسمي قبل أن تعرف الحقيقة
في تلك اللحظة سمع وقع خطوات خلفه
استدار فوجد محمود يقف عند الباب
لم يبدُ على وجه الأخ الأكبر أي أثر للنعاس بل بدا كأنه كان ينتظر هذه اللحظة
قال محمود
إنت لسه هنا
أخفى يوسف الورقة داخل جيبه
كنت بدور على شوية أوراق تخص الأرض
اقترب محمود من المكتب وفتح أحد الأدراج دون استئذان
الأرض موضوعها بسيط يا يوسف وأبويا الله يرحمه كان مكبر الحكاية على الفاضي
نظر إليه يوسف طويلا
هو إنت تعرف سالم البدري
توقفت يد محمود داخل الدرج
لم يستغرق الأمر سوى لحظة واحدة لكنها كانت كافية
أغلق الدرج ببطء ثم استدار
سمعت الاسم ده منين
من ورقة كتبها أبويا قبل ما يموت
تغير وجه محمود وكأن أحدهم أزاح عنه قناعا لم يكن مستعدا لخلعه
ثم قال بصوت خافت
لو كنت مكانك يا يوسف كنت رميت الورقة دي في النار
ليه
لأن فيه حاجات لو طلعت للنور مش هتسيب حد فينا سليم
خرج محمود وأغلق الباب خلفه
وبقي يوسف وحده يفكر في السؤال الذي لم يجرؤ أخوه على الإجابة عنه
أي جريمة يمكن أن تجمع رجلًا ميتا برجل ثري وامرأة فقيرة ومعلم يحظى باحترام القرية وتاجر انتهى به الأمر خلف القضبان
في الصباح ذهبت مريم إلى المدرسة لكنها لم تستطع التركيز في شرح الدرس
كانت تعرف يوسف منذ الطفولة وتعرف أن صمته حين يحزن أخطر من غضبه حين يثور
وحين خرجت من الفصل وجدت شقيقها الصغير ينتظرها عند البوابة
قال لها
فيه واحد كان بيسأل عنك
مين
راجل غريب بيسأل على بيتكم وبيقول إنه جاي من طرف الحاج فؤاد
شعرت مريم بانقباض في صدرها
فؤاد الشربيني لم يكن يرسل رجاله إلى البيوت بلا سبب
وحين عادت إلى المنزل وجدت أمها تجلس في الصالة وإلى جوارها رجل يحمل ملفا جلديا
كان يتحدث بأدب شديد لكنه وضع أمامها أوراقا كثيرة وطلب منها توقيعا على إقرار قديم يتعلق بأرض ورثتها عن أبيها
قال الرجل
إحنا بنحاول نحل الموضوع بالتراضي يا حاجة قبل ما ندخل في إجراءات طويلة
سألته مريم
إجراءات تخص إيه بالضبط
أجاب وهو يجمع الأوراق
الأرض داخلة ضمن مشروع كبير والأفضل ليكم تبيعوا دلوقتي قبل ما قيمتها تتغير
أخذت مريم الورقة وراحت تقرأها
لم تكن محامية لكنها كانت تعرف كيف تقرأ الكلمات حين يكون خلفها خطر
وجدت بندا ينص على تنازل أصحاب التوقيعات عن أي مطالبات سابقة أو مستقبلية تتعلق بملكية الأرض
رفعت رأسها إليه
أمي مش هتمضي على حاجة مش فاهمينها
ابتسم الرجل
خدي بالك يا أستاذة مريم أحيانا الإصرار على الحق بيكلف أكتر من التنازل عنه
ردت بهدوء
وأحيانا التنازل عنه بيكلف العمر كله
أخذ الرجل أوراقه وغادر
لكن مريم لم تكن تعرف أن توقيع أمها كان واحدا من آخر المستندات التي يحتاج إليها فؤاد ليضع يده على الأرض كاملة
وأن رفضها للتوقيع قد يجعلها هدفا مباشرا للرجل الذي اعتاد أن يحصل على كل ما يريد
في المساء جلس يوسف أمام صورة أبيه المعلقة في المكتب
للمرة الأولى لم ير فيها الرجل الذي كان يفتخر به
رأى رجلا يطلب من ابنه ألا يثق بمن يحاول حماية اسمه
ورأى ماضيا طويلا بدأ يتحرك من خلف الجدران
ثم أخرج هاتفه واتصل بمريم
وحين أجابت قال لها دون مقدمات
أنا محتاج أشوفك
سألته بقلق
فيه إيه يا يوسف
صمت لحظة ثم أجاب
أعتقد إن أبوي ظلم ناس كتير وأنا مش عارف إذا كنت هقدر أصلح اللي عمله ولا لأ
لم تجبه مريم فورا
ثم قالت
ابدأ بأنك ما تظلمش حد علشان تحافظ على صورته
أغلق الهاتف وبقيت كلماتها تدور في رأسه
كان يعرف أن الطريق الذي بدأه لن يعيد إليه أباه كما كان يتمنى
لكنه ربما يمنحه فرصة ألا يصبح نسخة أخرى منهعرض أقل








