أدب وثقافة

مَنْ جَبَرَ خَاطِرًا… جَبَرَ اللهُ خَاطِرَهُ

حِكْمَةٌ وَمَوْعِظَةٌ 9

مَنْ جَبَرَ خَاطِرًا… جَبَرَ اللهُ خَاطِرَهُ

 

حِكْمَةٌ وَمَوْعِظَةٌ 9

بقلم د . محمود طه

كان هناك رجلٌ طيّب القلب يُدعى عم عامر، عاش عمره بسيطًا، راضيًا بما قسم الله له، لا يملك من الدنيا الكثير، لكنه كان يملك قلبًا عامرًا بالإيمان.

كان عم عامر يقوم كل يوم بخدمة المسجد وتنظيفه والعناية به، ويحصل على أجرٍ بسيط مقابل ذلك، ثم يعود إلى بيته في المساء راضيًا شاكرًا لله، حامدًا نعمته.

وكانت زوجته الحاجة زينب ربةَ منزل، تعيش معه حياةً متواضعة، ولم يرزقهما الله بالأولاد، وقد تقدّم بهما العمر، وأصبحا في حاجةٍ إلى من يقف بجوارهما ويساندهما.

ومع ذلك، لم يفقد عم عامر الأمل في رحمة الله، وكان يقول دائمًا:

“ربنا مش هيتخلّى عنّا… ما دام في القلب إيمان.”

وفي إحدى الليالي، وبينما كان عم عامر يستعد للنوم، طرق بابه الحاج حسن، وكان يبدو عليه الهم والحزن.

قال له عم عامر:

— اتفضل يا حاج حسن، خير؟

فقال الحاج حسن:

— والله يا حاج عامر، ابنتي مريضة وتحتاج إلى العلاج، وأنا محتاج مبلغًا بسيطًا، ولو تقدر تساعدني أكون شاكرًا لك.

كان عم عامر يعلم جيدًا أن ظروفه صعبة، وأن معه مبلغًا لا يتجاوز ألف جنيه، وعليه التزامات كثيرة، ولم يكن يدري من أين سيأتي بمصاريف البيت.

لكنه نظر إلى الحاج حسن، ورأى في عينيه انكسار الأب وخوفه على ابنته.

فقال له:

— استنى يا حاج حسن.

ثم دخل وأخرج ما معه من المال، وأعطاه خمسمائة جنيه.

قال الحاج حسن:

— ربنا يجازيك عني كل خير يا حاج، وإن شاء الله الشهر الجاي أردّهملك.

ابتسم عم عامر وقال:

— براحتك يا غالي، في أي وقت… المهم ربنا يشفي بنتك.

شكره الحاج حسن وانصرف.

أغلق عم عامر باب شقته، فوجد زوجته الحاجة زينب تنظر إليه باستغراب، وقالت:

— إيه يا حاج؟! إنت راح تديه فلوس؟! وإحنا ورانا التزامات، ولسه ما دفعناش الكهربا، ومصاريف البيت والأكل… هنعمل إيه؟ كنت قولت له إنك مش معاك.

تنهد عم عامر وقال:

— يا زينب، ما ينفعش أرده مكسور الخاطر. مَن جَبَرَ مسلمًا جَبَرَ اللهُ خاطره، وربنا سبحانه وتعالى مش هيتخلّى عنّا.

دخل الزوجان غرفتهما، واستلقيا للنوم.

لكن النوم لم يأتِ إلى عيني عم عامر.

ظل يفكر:

ماذا سأفعل؟ كيف سأدفع ما عليّ؟ ومن أين سأأتي بمصاريف البيت؟

ثم رفع يديه إلى السماء وقال بقلبٍ منكسر:

“يا رب… أعِنّي، وكن معي يا مُعين، فأنت تعلم حالي، ولا يعلم بحالي إلا أنت.”

وفجأة…

طَرَقَ أحدهم الباب.

استيقظ عم عامر، وذهب ليفتح الباب.

فإذا بأحد العاملين في المسجد يقف أمامه، ويحمل ظرفًا كبيرًا.

قال له:

— يا حاج عامر، الدكتور سالم رجل الأعمال بعت لك المبلغ ده، وقال لي أوصلهولك بنفسى.

تعجب عم عامر وقال:

— مبلغ إيه؟

قال الرجل:

— عشرة آلاف جنيه.

ثم أضاف:

— وقال لك إن ده مش آخر مبلغ، وإن شاء الله هيبعت لك زيه، وكمان هيتكفّل بمبلغ لصندوق المسجد، بس بيقول لك: واظب دائمًا على خدمة المسجد.

ثم انصرف الرجل وأغلق الباب.

دخل عم عامر إلى زوجته، والدموع تملأ عينيه، ووضع المال أمامها.

قالت الحاجة زينب بدهشة:

— إيه ده يا حاج؟!

فقال وهو لا يكاد يصدق ما حدث:

— سبحان الله! أنا أعطيتُ خمسمائة جنيه، فأتاني الله بعشرة آلاف من فضله!

ثم رفع يديه إلى السماء وقال:

“يا رب، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. اللهم كما جبرتُ خاطر عبدٍ من عبادك، فجبرتَ خاطري، فلا تحرمني أبدًا من فضلك ورحمتك.”

ثم سجد لله شكرًا، وبكى من شدة الفرح.

أما الحاجة زينب، فكانت تنظر إليه والدموع في عينيها، وقد أدركت أن ما ظنته يومًا خسارةً ونقصًا، كان في الحقيقة بابًا من أبواب رزق الله.

وهكذا تعلّم الزوجان أن الرزق ليس دائمًا فيما نحتفظ به، بل قد يكون فيما نعطيه لله.

فكم من يدٍ امتدت بالعطاء وهي تظن أنها تُنقص مالها، فإذا بالله يفتح لها أبوابًا لم تكن تتوقعها.

فلا تحتقر جبر الخواطر، ولا تستصغر معروفًا، ولا تظن أن ما تقدمه لوجه الله يضيع.

قال الله تعالى:

﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾

وقال النبي ﷺ:

«ما نقصت صدقةٌ من مال».

فإذا استطعت أن تُفرّج كربة إنسان، فافعل.

وإذا استطعت أن تمسح دمعة، فافعل.

وإذا استطعت أن تجبر خاطرًا سواء قولاً أوفعلا، فلا تتردد.

فربما جبرتَ اليوم خاطر إنسان، فيجبر الله غدًا خاطرك من حيث لا تحتسب.

وما أجمل أن يعيش الإنسان فقيرًا إلى الناس في ماله، لكنه غنيٌّ بالله في قلبه.

العبرة:

لا تنظر إلى ما خرج من يدك، بل انظر إلى من وضعتَه عنده؛ فما كان لله لا يضيع، وما كان من أجل جبر خاطر عبدٍ من عباده، قد يكون سببًا في أن يجبر الله خاطرك أنت يومًا من الأيام فكن جابراً للخواطر يجبر الله خاطرك ويرزقك من حيث لا تحتسب .

زر الذهاب إلى الأعلى