أخبار عربية

نبيل أبوالياسين : وساطة قطر توقف مقامرة ترامب على جثة إيران والمنطقة

نبيل أبوالياسين : وساطة قطر توقف مقامرة ترامب على جثة إيران والمنطقة

نبيل أبوالياسين : وساطة قطر توقف مقامرة ترامب على جثة إيران والمنطقة

 

 

أمام لوحة كارثية تُرسم للشرق الأوسط بخطى ثابتة، حيث يُحتمل أن تُكتب فيها فصول أحداث المنطقة بدماء مدن كاملة، لا صوت يعلو فوق دوي طبول الحرب التي يقّرعها البيت الأبيض. تقف الدوحة وحدها تقريباً على خط التماس، حاملةً مشعلَ الحوار في عتمة التصعيد، محاولةً إطفاء شرارة قد تُشعل كوناً من الفوضى. بين مطرقة التهديدات العسكرية الأميركية المتكررة التي يلوح بها دونالد ترامب، وسندان الرفض الإيراني القاطع والخائف على مصيره، تتحول الوساطة القطرية من خيار دبلوماسي إلى “طوق نجاة” أخير، وصرخة استغاثة إنسانية لإنقاذ ملايين الأبرياء من أن يصبحوا وقوداً لحربٍ ليست حربهم، وضحيةً لمقامرةٍ سياسية محمومة يخوضها رئيس أميركي قد يكون مدفوعاً بهواجس شخصية أكثر من أي حسابات استراتيجية.

 

 

 

الدوحة في الميدان: إصلاح ما أفسدته السياسة

 

في قلب العاصفة، تتحرك الدبلوماسية القطرية بهدوء الطبيب في غرفة الطوارئ. عبر تأكيد متحدثها الرسمي، الدكتور ماجد الأنصاري، على أن الدولة “طرف أساسي في اتصالات دولية مكثفة” بين واشنطن وطهران، ترسم قطر خطاً مختلفاً. إنها لا تبيع وعوداً بالحماية الوهمية، ولا تهدد بضربات “جراحية” ستتحول إلى نزيفٍ دامٍ، بل تعيد تعريف معنى القوة في المنطقة: قوة الصبر، وقوة فتح القنوات، وقوة الإصرار على أن صوت العقل يجب أن يكون مسموعاً فوق جلبة السلاح. هذه الوساطة ليست تفويضاً، بل هي استحقاق تفرضه الحكمة في زمن الجنون، وتكليفٌ حملته الدولة الصغيرة لأن الكبار انشغلوا بلعب النار.

 

 

طهران تحت الحصار: بين المظاهرات و”الحرب الإرهابية”

 

في الجانب الآخر من المعادلة، تواجه إيران عاصفة داخلية وخارجية معاً. بينما خرج آلاف الإيرانيين في احتجاجات بدأت بسبب أزمات معيشية قبل أن تتحول إلى مطالب سياسية، ترفع الحكومة شعار المواجهة مع “أعداء خارجيين”. تصف المتحدثة باسم الحكومة الأحداث بـ”هجمات إرهابية” وتوجه اتهاماً مباشراً لواشنطن وتل أبيب بدعم “الحرب الإرهابية في الشارع الإيراني”. هذا الخطاب، المرفق بعمليات أمنية مثل اعتقال عملاء مزعومين للموساد، يحاول طهران من خلاله تحويل بؤرة الصراع من ساحة الاحتجاج الداخلي إلى ساحة مواجهة قومية مع عدو خارجي، في محاولة للالتفاف على الغضب الشعبي وتماسك الصف الداخلي أمام تهديد خارجي يُصوَّر بأنه وجودي.

 

 

ترامب: رئيس يبحث عن حرب.. أم عن منفذ؟

 

في واشنطن، تبدو الصورة أكثر ضبابية وخطورة. فبينما يقول مستشاروه إن الدبلوماسية هي “خياره الأول دائماً”، تميل تقارير عديدة إلى أن الرئيس نفسه “يميل إلى توجيه ضربة عسكرية”. خطابه متناقض؛ فهو مرةً يغرد بأن “إيران تتطلع إلى الحرية” ويعلن استعداده للمساعدة، ومرةً يهدد بضربها “مستويات لم يسبق أن ضربت بها من قبل”. هذا التصعيد يأتي وسط تسريبات عن أن ترامب يدرس خيارات عسكرية متنوعة، مما يطرح سؤالاً ملحاً: هل هذا قرار سياسي مدروس، أم هو “مقامرة” كبيرة و”هروب إلى الأمام” لرئيس يحاول تحويل الأنظار عن فضائحه الداخلية وملاحقاته القضائية، كما يشير التحليل المقدم؟ التلويح بضرب منشآت نووية، كما حدث في سيناريوهات سابقة، لم يعد خيالاً، بل هو احتمال يدخل في حسابات الردع المنهارة.

 

 

الورقة الإيرانية: التحدي مع إبقاء الباب موارباً

 

رغم لغة التحدي الصلبة التي يستخدمها المسؤولون الإيرانيون، مثل تحذير رئيس البرلمان من أن القواعد الأمريكية والإسرائيلية ستصبح “أهدافاً مشروعة”، أو تصريح وزير الخارجية عباس عراقجي بأن إيران “مستعدة” لأي اختبار عسكري، إلا أن الصورة ليست أحادية. فطهران تترك أيضاً باباً موارباً للدبلوماسية. يؤكد عراقجي على أن بلاده “مفتوحة للدبلوماسية”، وتبقى القنوات الاتصالية مع الوساطة القطرية وغيرها مفتوحة. إنها لعبة خطرة على حافة الهاوية؛ تظهر القوة المفرطة لردع العدوان، مع الإشارة باليد الأخرى إلى الرغبة في تفادي الحرب، في محاولة للخروج من الأزمة دون خسارة ماء الوجه أو استقرار النظام.

 

 

الاستحقاق العربي الغائب: أين الظهير الإقليمي؟

 

هنا يبرز السؤال الأكثر إيلاماً للمنطقة: أين هي القوة العربية الجماعية؟ الوساطة القطرية، بكل ضرورتها، تشبه طبيباً شجاعاً يعمل في ساحة معركة دون غطاء ناري. التحليل المقدم يشير بقوة إلى “الاستحقاق المصري الغائب” ودور “القلب القومي” الذي يجب أن يلتف حوله العرب لتوفير الظهير السياسي لهذه الوساطة. إن غياب إطار عربي موحد يدعم مسار التهدئة ويواجه الابتزاز بالمزيد من الحروب، يترك المبادرة لأهواء القوى الدولية ويدفع الثمن من أمن واستقرار كل عاصمة عربية. دعم الوساطة ليس خدمة للدوحة أو طهران، بل هو خط دفاع أول عن عواصم العرب من أن تتحول إلى ساحات انتقام لحسابات بعيدة.

 

 

المفصل الحاسم: لماذا يعتمد أمن المنطقة على عودة مصر لموقعها القيادي؟

 

وفي هذا المنعطف التاريخي الخطير، تطفو على السطح قضية محورية لا تقل أهمية عن ديناميكيات الصراع نفسه، ألا وهي مسألة الظهير الاستراتيجي للجهود الدبلوماسية. فوساطة قطر، بكل ما تحمله من جرأة وحكمة، تتحرك على حبل مشدود فوق هاوية صراع وجودي. ولا يمكن لمبادرة فردية، مهما بلغت براعتها، أن تثبت في مواجهة عاصفة مصالح القوى العظمى دون سند إقليمي متين. وهنا يبرز المفصل الحاسم والأكثر إيلاماً: التغييب المتعمد لدور مصر القيادي. فمصر ليست دولة حدودية فحسب؛ إنها الحصن الجيوسياسي والرئة الاستراتيجية للأمة، وصمام الأمان الذي يحفظ توازنها. إن فكرة أن تكون الحماية الحقيقية لمستقبل العرب بيد إدارات أجنبية تتخبط في فضائحها – كتلك التي يعيشها البيت الأبيض – هي أقرب إلى وهم قاتل. الحل الجذري لا يكمن في استجداء وعود الحماية المستأجرة من وراء البحار، بل في العودة إلى مركز الثقل الطبيعي للأمة، والالتفاف بوعي وإرادة حول مصر، ليس كخيار من بين خيارات، بل كزعيم لا مناص عنه وقلب نابض لقرار عربي مستقل. إن تعزيز وساطة قطر وضمان نجاحها يبدأ من القاهرة؛ فبدون وزنها التاريخي وسلطتها الأخلاقية والعسكرية، تبقى أي مساعي للتهدئة عُرضة للانتكاس أمام أول نزوة لمقامر يبحث عن حرب.

 

 

 

معركة الوعي الأخيرة

 

وختامًا : إن اليوم، ليست المعركة معركة صواريخ وطائرات فقط، بل هي معركة وعي. وعي بأن دماء الشعوب ليست رهاناً في انتخابات أو ورقة ضغط في قضية محكمة. وعي بأن “الحماية المستأجرة” التي يبيعها البيت الأبيض هي وهم قاتل، وأن الأمن الحقيكي يبدأ من إرادة مستقلة وتضامن إقليمي جاد. الوساطة القطرية تمثل هذا الخيط الأخير من الوعي، محاولة يائسة لإعادة المنطقة من حافة الهاوية السحيقة التي تدفعها نحوها نزوات شخصية متعالية.

 

التاريخ لن يرحم المتفرجين. إما أن تدرك العواصم العربية أن نار الحرب إن اشتعلت لن تميز بين حدود، وتلتف لتحصين صوت العقل الذي تمثله الدوحة، وإما أن تستسلم لمصير يصنعه آخرون في واشنطن أو تل أبيب أو حتى في أروقة محاكمهم. الخيار بين دعم “طوق النجاة” الأخير هذا، أو الانجرار وراء “مقامرة ترامب” الكارثية، هو ببساطةٍ: اختيار بين الحياة والموت. فهل نعي الدرس قبل فوات الأوان؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى