هلالُ رمضان فوق الركام
هلالُ رمضان فوق الركام
بقلم : نسرين المشاعلة.
هذا هو رمضانُ الثالث الذي يجيء على غزة منذ اندلاع الحرب… يأتي ثقيلًا، يأتي متعبًا. يمرُّ الهلالُ فوق الركام ببطء، قبل أن يستقرّ في السماء. يتأمّل المدينة بأسى، وهي لا تزال تبحث عن شكلها… عن بيتٍ واحدٍ كامل، عن نافذةٍ لم تُكسر، عن شارعٍ لا يفضي إلى الغياب. ولكنه يصرّ على الحضور… ليلقي وميضه بين الأنقاض، وليعلن أنّه ليس مجرّد شهرٍ في التقويم، بل أملٌ لمن يحاولون أن يثبتوا للعالم أنهم ما زالوا باقون،
سيحتضنون الهلال رغم الجرح النازف. حين يصدح أذانُ المغرب من بقايا مئذنةٍ، بين حجارة المساجد التي دُمّرت بالكامل، لن يكون السؤال: “ماذا سنأكل؟” بل: من بقي ليجلس معنا؟ كم مقعدًا سيظلّ فارغًا إلى الأبد؟ تجاوز عدد الشهداء الآلاف… وكل رقمٍ في هذا العدد ليس رقمًا، بل وجهٌ كان يعرف طريقه إلى البيت.
أمٌّ كانت تضع التمر في طبقٍ صغير وتنادي أحبّتها: “اقترب الأذان… هلمّوا.” وأطفالٌ كانوا يشعلون “الفتيش” في الأزقّة قبل الإفطار بدقائق، تملأ ضحكاتهم السماء. غزة لم تفقد الحجر فقط، بل التفاصيل…
هذا العام، ستُمدّ الموائد على ركام المدينة وفي الخيام، وعلى رمال بحر غزة، ثمّة بيوتٌ لم تعد بيوتًا. سيُفطر الناس في مساحاتٍ ضيقة من القماش، يحاولون أن يصنعوا غرفةً للطمأنينة. يفطرون على القليل… لكن الدعاء كثير، كأنه ترياقُ الحياة.
وهناك من يفطر بين الركام، يجلس على حجرٍ كان يوم جزءًا من غرفة نومه، يرى بيته أمامه… كذكرى مكسورة. وفي الركام أيضًا، ما يزال الغائبون: مئات المفقودين, أشخاصٌ لم يغادروا، ولم يعودوا. أسماءٌ ما زالت الأمهات تناديها، وكأن الصوت يستطيع أن يُخرج الأحبة من تحت الحجارة, وفي غزة أطفالٌ ليسوا فقط جرحى، بل طفولةٌ مبتورة. مئات فقدوا أطرافهم.
ثمة طفلٌ سيستيقظ في رمضان هذا العام، يتعلّم الصيام لأول مرة… ويتعلّم كيف يحمل الحياة بيدٍ واحدة، وكيف يركض بساقٍ واحدة، ويسأل أمّه: “هل سأعود كما كنت؟” وأمّه لا تملك جوابًا… فتمسح على رأسه وتقول: “ستكبر… وستكون أقوى.” ثم هناك الأسرى خلف القضبان،
رمضان هناك بلا موائد، بلا زينة، بلا عناق الأم عند الإفطار. يفطرون على الغياب، ويصلّون في ضيق الزنازين، لكن أرواحهم تظلّ مفتوحةً على سماء غزة، وأرض غزة، وبحر غزة، يعلمون ان غزة كطائر الفينيق، تحبو من تحت الرماد لتعيد تشكيل نفسها. وكما يتعرّف الطائر على جناحيه في العاصفة،
تتعرّف المدينة على أصحابها من جديد. وغزة تعرف أبناءها. لا يعرفون الاستسلام الكامل . رغم كل هذا الخراب ها هم يعلّقون زينة رمضان فوق ركام منزل، وخيمةٍ بالية، وجدارٍ يقاوم السقوط. زينةٌ صغيرة، بسيطة… لكنها ليست للفرح فقط، إنها إعلانٌ واضح… إعلانُ تحدٍّ: نحن هنا. نحن بشر. نحن نستحق الحياة. يشعلون قناديل رمضان ويقولون للسماء : سنصوم… وسنحلم… وسنعود يومًا كاملين..




