هل الحضارة والتفاوت في الدخول في تواشج لا انفصام له في الانتقال من مجتمعات القنص وجمع الثمار إلى ما يُعرف بالحضارة
هل الحضارة والتفاوت في الدخول في تواشج لا انفصام له في الانتقال من مجتمعات القنص وجمع الثمار إلى ما يُعرف بالحضارة

هل الحضارة والتفاوت في الدخول في تواشج لا انفصام له
في الانتقال من مجتمعات القنص وجمع الثمار إلى ما يُعرف بالحضارة
بقلم : “كرستوفر ريان”
ترجمة : أحمد جمال أبو الليل
المصدر : موقع Literary Hub 1 تشرين الأول/أكتوبر 2019
“عادةً ما تُكلّف الأموال الشيء الكثير”
– رالف والدو امرسون
“من يمت وبحوزته جل المتاع يمت فائزا”
– مالكوم فوربز
كلما أدركنا ما كانت عليه الحياة البشرية قبل عصر الزراعة، تبّدت لنا الحضارة أكثر فأكثر كتراتبية هرمية. هذا، وقد كانت التباينات فيما بين درجات الثروة ومراتب النفوذ من بين بواكير ما انبثق حين استقر البشر في القرى والمدن. حيث تعيّن أن يقوم فرد أو آخر باتخاذ القرار شأن من سيجني هذا القدر أو ذاك ومتى سيكون ذلك. كذا، فقد كان لزاما أن يعمد أحد الأفراد إلى تنظيم عمليات الزراعة والحصاد، وتدبير شؤون الحماية، ومقايضة الأراضي والماشية. وحالما انبثقت الثروات، انبثقت في إثرها طبقة النخبة التي قد أغُريت فطريا بالإفادة أكثر فأكثر من وضعها المميز.
وحين انبثقت أحوال مماثلة في مجتمعات الصيد والقنص – حين كان يُقتل حيوان ضخم مثلا – فقد شهدنا كيف برزت قواعد عرفية وتضافرت للحيلولة دون وقوع أي غبن فيما قد خص توزيع ذاك المغنم المفاجيء. فالغش فيما بين ثلة أو أخرى من القناصين ممن يعرفون بعضهم البعض جيدا كان يُكتشف في الحال ويُحبط – من طريق ضرب أو آخر من دعابات خفيفة في بداية الأمر، لتتطور إلى تهديدات صارمة بمآلات أنكى وأقسى إذا لم تؤت تلك الدعابات الخفيفة ثمارها. وحين تجاوزت التجمعات البشرية المدى الذي كان عنده لكل فرد علاقة مباشرة بمن عداه من أفراد، وقع أمر مذهل رهيب، إذ أضحى الآخرون محض تجريدات. ولربما قد كان “ستالين” يفكر على نحو مشابه لذلك حين قال : “إن موت فرد واحد لهو مأساة، أما موت الملايين فذاك إحصائية”.
وحين تزايدت أعداد البشر حد أن أضحى من المحال التمييز بين الوجوه الغفيرة لأولئك الذين تمسهم قراراتنا، فإن اهتمامات أخرى قد طغت على الحنان البشري الفطري لتطرحه ظهريا. فها هم السياسيون الذين قد يقفزون إلى النهر بلا أدنى تردد لإنقاذ حياة طفل أو آخر من براثن غرق محقق لا يستشعرون وخز الضمير حين تصديقهم على سياسات يكون من شأنها ترك ملايين من الأطفال الفقراء يتخبطون بلا رعاية صحية ولا وجبات مدرسية. إن البشر ليبدون وكأنهم صنفان متباينان بالكلية حين نعمد إلى المقارنة ما بين فعالهم في مجتمعات صغيرة وفعالهم في أخرى ممتدة رحيبة. فكأنهم الجنادب والجراد.
إن التباين فيما بين مستويات الثروة، ذلك الذي لم يكن ليتخيله القناصون القدامى، لهو أمر شائع ذائع في عالمنا الحديث. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، لم يكن توزيع الثروات قد انفلت من عقاله على هذا النحو المشاهد حاليا منذ ما قد عُرف “بالعشرينيات الهادرة”. ففي العام 2012، ووفقا لبحوث قد جمعها الاقتصادي الفرنسي “توما بيكتي” ورفاقه، حازت الأسر المنتمية إلى أعلى شرائح المجتمع الأمريكي دخلا (شريحة الـ 1% العليا) ما نسبته 22.5% من إجمالي الدخل، وهي أعلى نسبة قد حُققت منذ العام 1928. أما في خمسينيات القرن العشرين، فكان الشائع في الولايات المتحدة أن يتقاضى هذا الرئيس التنفيذي او ذاك نحو عشرين مثل ما يتقاضاه عامل أو آخر بشركته. واليوم، ارتفع ذلك المعدل إلى ما يربو على عشرة أمثاله آنذاك – إذ أضحى ما يتقاضاه الرئيس التنفيذي أكثر من مائتي مثل ما يتقاضاه العامل.
هذا، وإن بعض الرؤساء التنفيذيين ليجعل ذلك المعدل يتسق تماما مع ما ذهب إليه “كارل ماركس”. ففي العام 2011، تقاضى “تيم كوك” – الرئيس التنفيذي لشركة “Apple” ما مقداره 378 مليون دولارا أمريكيا على هيئة راتب وأسهم ومزايا أخرى – وهو ما يعادل 6258 مثل راتب الموظف المتوسط بالشركة. إن أغنى خمسة وثمانين شخصا في العالم ليقبضون على ثروة تفوق تلك التي يحوزها النصف الأفقر برمته من سكان المعمورة. ولمزيد توضيح، فإن خمسة وثمانين ممن يسعون على قدمين كسائر البشر ليحوزون ثروة تفوق ما يحوزه ثلاث مليار ونصف المليار من البشر، أولئك الذين يحيا جلهم في فقر مدقع مذل.
إن “بيكتي” – الذي نعته “بول كروغمان” الحائز جائزة “نوبل” في الاقتصاد بأنه “لربما كان أبرز خبراء العالم في شؤون الدخل والتفاوت فيما بين الثروات” – قد خلص إلى أن التفاوت فيما بين الدخول في الولايات المتحدة الأمريكية الآن “لربما هو أكثر من نظيره في أي مجتمع آخر في أي وقت قد خلا، وفي أي مكان من العالم”. هذا، وليست تلك التفاوتات قاسية فحسب، بل هي غير إنسانية. إذ هي تنتهك ميلنا الفطري للعدالة.
وحين اقتيد ثلاثة من إثنية “توبينامبا” من موطنهم الأصلي في البرازيل صوب فرنسا خلال القرن السادس عشر، كان “مونتاني” حاضرا وقت لقائهم الملك “شارل التاسع”. وحين سئل هؤلاء عما هو أكثر غرابة وفرادة في نمط الحياة الأوروبية وفقا لما استدعاه “مونتاني” راويا : “لقد لاحظوا أن ثمة رجالا بين ظهرانينا قد أتخموا بصنوف شتى من السلع، على حين كان (آخرون) يتسولون لدى أبوابهم في استجداء، قد هزلوا وكادوا يموتون جوعا جراء المسغبة والعوز، كذا فقد خالوا الأمر غريبا كون هؤلاء المعوزون قد تحملّوا معاناة ذلك التفاوت والجور المفرطين، وكونهم لم يعمدوا إلى الأخذ بخناق الآخرين”.
ويقينا، ففي بعض الأحايين يعمد الفقراء إلى الانتفاض وإضرام النيران في بيوت الموسرين، إلا أنه سرعان ما تعود الأمور سيرتها الأولى بأن يسود النمط ذاته المتمثل في استغلال بعض النخب لناتج عمل جماهير غفيرة مشتتة دونما رابط ينتظمها. إذن، لا فرق بين فردتي حذاء. وبأخذ هذا النمط المتكرر بعين الاعتبار، يضحى من غير المستغرب أن يخلص كثيرون إلى أن هذا الوضع ما هو إلا نتاج الطبيعة البشرية وعاقبتها – أو هو نتاج الطبيعة ذاتها. إن كثيرا من أباطرة الصناعة المستغلين إبان القرن العشرين قد كانوا مولعين بتعريف معاني نظريات “داروين” بحيث يجعلونها وكأنما هي تنطوي بداهة على كون ثرواتهم ما هي إلا النتيجة المنطقية “لصلاحيتهم” الأسمى بالفطرة، وكون تلك الثروات – من ثم – تتماثل في فطر
أحمد جمال أبو الليل .. مترجم وباحث اقتصادي له أربعة كتب مترجمة هي “عالم بلا إسلام .. ماذا لو؟!”، و”السودان .. صراع المصالح ورهانات المستقبل”، و”مسجد في ميونيخ .. النازيون – وكالة الاستخبارات المركزية – وبزوغ نجم الإخوان المسلمين في الغرب”، و”فقه الاستغراب .. الغرب في عيون أعدائه”. كذا، فله مقالات مترجمة نُشرت في مجلة “الثقافة العالمية” الكويتية، ومجلة “الدوحة” القطرية، ومجلة “نادي القصة” المصرية، ومجلة “الجياد الأدبية” الأردنية، وكذا على منصتي “نماء” و”حكمة يمانية” الإلكترونيتين”.
Are Civilization and Income Inequality Inextricably Intertwined?
Christopher Ryan on the Transition from Hunter-Gather Societies to So-Called Civilization
By Christopher Ryan
October 1, 2019
Money often costs too much.
–Ralph Waldo Emerson
He who dies with the most toys wins.
–Malcolm Forbes
The more we understand what human life was like before agriculture, the more civilization looks like a pyramid scheme. Disparities of wealth and power were among the first things to emerge when people settled into villages and towns. Someone had to make decisions about who got how much of what, and when. Someone had to organize the sowing and the reaping, the protection and trading of land and livestock. Once wealth emerged, so did an elite class that was naturally tempted to benefit further from their privileged position.
When similar situations arise in foraging societies—when a large animal is killed, for example—we’ve seen how formal codes of behavior kick in to prevent inequities in the distribution of the windfall. Among bands of a few dozen foragers who all know each other intimately, cheating is quickly detected and discouraged—initially with lighthearted humor, but with the serious threat of more severe repercussions if a light ribbing proves ineffective. Once human communities grew beyond the point where every individual had a direct relationship with everyone else, something fascinating and terrible happened: other people became abstractions. Perhaps Joseph Stalin was thinking along these lines when he said, “one death is a tragedy; a million is a statistic.”
When the quantity of human beings rises to the point where it’s no longer possible to picture the faces of those who are affected by our decisions, innate human compassion is often overwhelmed by other concerns. Politicians who would unthinkingly jump into a river to save a drowning child have no qualms approving policies that leave millions of impoverished kids floundering without basic health care or school lunches. Humans seem to be two different creatures when we compare how we function in small-scale versus large-scale societies. Grasshoppers and locusts.
Wealth disparities unimaginable to foragers are common in the modern world. In the United States, wealth distribution hasn’t been this out of whack since the so-called “Roaring 20s.” In 2012, according to research compiled by French economist Thomas Piketty and his colleagues, the top one percent of households in the US took 22.5 percent of total income, the highest proportion since 1928. In the 1950s, an American CEO could expect to be paid about 20 times more than a typical worker at his firm. Today, the ratio is more than ten times that—over two hundred to one.
And some CEOs make that kind of ratio look downright Marxist. In 2011, Apple’s Tim Cook was paid $378,000,000 in salary, stock, and other benefits—6,258 times the wage of the average employee at Apple. The richest 85 people in the world control more wealth than the poorest half of the planet’s population. Let that sink in for a moment. Eighty-five human beings who fart in bed just like you and me control as much wealth as 3.5 billion other people—many of whom live in desperate poverty.
Piketty, who is “arguably the world’s leading expert on income and wealth inequality,” according to Nobel laureate Paul Krugman, has concluded that income inequality in the United States today is “probably higher than in any other society at any time in the past, anywhere in the world.” Such disparities of wealth are not just inhumane, they are inhuman, offending our innate predisposition for fairness.
When three Tupinambá natives were taken to France from Brazil in the 16th century, the essayist Montaigne was present at their visit with King Charles IX. When the natives were asked what they found most peculiar about the European way of life, Montaigne recounts, “They had observed, that there were among us men full and crammed with all manner of commodities, while, in the meantime, [others] were begging at their doors, lean, and half-starved with hunger and poverty; and they thought it strange that these necessitous [people] were able to suffer so great an inequality and injustice, and that they did not take the others by the throats, or set fire to their houses.”
Of course, sometimes poorer people do rise up and set fire to the houses of the rich, but things soon settle into the same pattern of a few elites profiting from the labor of the unorganized masses, yet again. Meet the new boss, same as the old boss. Given the recurrent pattern, it’s not surprising that many have concluded that this state of affairs is simply the result of human nature—or of nature itself. Many of the great robber-barons of the 20th century were fond of twisting Darwin’s theories to imply that their wealth was simply the logical result of their innately superior “fitness,” and was therefore as natural and inevitable as any other form of predation upon the weak by the strong




