بقلم: ناصر السلاموني
لم تعد الحرب في اليمن حربًا داخلية، بل أصبحت واحدة من أخطر حلقات الصراع الإقليمي؛ لأنها تقترب من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق باب المندب، الذي يرتبط مباشرة بالبحر الأحمر وقناة السويس وحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
ويزداد المشهد خطورة مع انتقال نفوذ الحوثيين إلى مناطق ساحلية وجزر ذات قيمة استراتيجية. فقد سيطروا على مدينة المخا، وتقدموا على الساحل الغربي، ووصلوا إلى جزيرة ميون «بريم» الواقعة في مضيق باب المندب، فضلًا عن سيطرتهم على منطقة ذباب المقابلة للجزيرة.
وهنا تتغير طبيعة المعادلة؛ فالمخا ليست مجرد مدينة يمنية، وميون ليست مجرد جزيرة صغيرة، بل إن موقعهما يمنح من يسيطر عليهما قدرة على مراقبة حركة الملاحة والتأثير في مستوى المخاطر التي تواجه السفن العابرة، حتى من دون إغلاق المضيق رسميًا.
وهذه هي النقطة الأهم؛ فالممر البحري لا يحتاج إلى أن يُغلق حتى يصبح ورقة ضغط. يكفي أن ترتفع المخاطر حوله حتى تتزايد تكاليف التأمين والشحن، وتضطر السفن إلى تغيير مساراتها، وتطول الرحلات، وتتأثر أسعار الطاقة والسلع وسلاسل الإمداد العالمية.
ومن هنا أصبح السؤال: لماذا تحول باب المندب إلى جزء من مواجهة تتجاوز حدود اليمن؟
الإجابة ترتبط بما يجري في الجانب الآخر من المنطقة، وتحديدًا حول مضيق هرمز. فقد أعلنت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني في أغسطس الماضي أنها تملك «السيطرة الكاملة» على المضيق، في ظل اضطراب شديد في حركة الملاحة.
وهكذا أصبح الشرق الأوسط أمام ممرين بحريين بالغي الحساسية: هرمز في الخليج، وباب المندب في البحر الأحمر. وبينما يختلف موقعهما الجغرافي، فإنهما يلتقيان في تأثيرهما المباشر على الطاقة والتجارة العالمية. ولذلك فإن امتلاك قدرة مؤثرة في أحدهما، أو توظيف حلفاء إقليميين للضغط على الآخر، يمنح صاحبه ورقة استراتيجية تتجاوز حدود الصراع المحلي.
وفي هذا السياق تبرز العلاقة بين إيران والحوثيين. ولا ينبغي اختزال كل قرار حوثي في قرار إيراني مباشر، لكن من الصعب تجاهل الدعم الإيراني طويل الأمد للحوثيين، وما وفره لهم من قدرات صاروخية وطائرات مسيرة وخبرات عسكرية وتقنية. وبذلك أصبح الحوثيون عنصرًا مهمًا في شبكة النفوذ الإيراني الممتدة في المنطقة.
أما السعودية، فتجد نفسها أمام معادلة شديدة الصعوبة؛ فهي تواجه تهديدًا عسكريًا من الحوثيين، وفي الوقت نفسه ترى أن أي تصعيد حول باب المندب يضيف خطرًا جديدًا إلى أمن الملاحة والطاقة، خصوصًا في ظل حساسية مضيق هرمز.
وتكشف الحرب اليمنية عن طبيعة جديدة للصراع غير المتكافئ؛ فطرف لا يمتلك إمكانات دولة كبرى يستطيع، باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة واستغلال الجغرافيا، أن يفرض على خصومه تكاليف مرتفعة في الدفاع والحماية والتأمين. ولذلك لا تقاس القوة دائمًا بحجم الترسانة العسكرية، وإنما أحيانًا بقدرة الطرف الأضعف على تغيير حسابات الطرف الأقوى.
ولعل التطور الأكثر دلالة على هذه المعادلة هو الموقف الأمريكي. فقد طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمًا عسكريًا لمواجهة الحوثيين، لكن ترامب رفض السماح بضربات أمريكية مباشرة ضدهم، بينما وافقت واشنطن على تقديم المعلومات الاستخباراتية ومساعدات تحديد الأهداف، كما أجرى قائد القيادة المركزية الأمريكية مباحثات في السعودية في ظل تصاعد الأزمة.
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة فقدت قوتها أو خرجت من المنطقة، لكنه يكشف أن واشنطن أصبحت أكثر حرصًا على حساب تكلفة فتح جبهة جديدة، في الوقت الذي تواجه فيه إيران وتعمل على حماية مصالحها في مضيق هرمز وممرات التجارة الدولية.
وهنا تدخل مصر في قلب المعادلة، لا على هامشها. فباب المندب يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وأي اضطراب مستمر فيه ينعكس بصورة مباشرة على قناة السويس. وقد أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مصر خسرت أكثر من عشرة مليارات دولار من إيرادات قناة السويس نتيجة الهجمات على السفن في باب المندب، فضلًا عن تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء واضطراب سلاسل الإمداد.
ولهذا فإن أمن باب المندب ليس شأنًا يمنيًا أو سعوديًا أو إيرانيًا فحسب، بل يرتبط بالأمن القومي المصري وأمن التجارة العالمية. فأي تغير طويل الأمد في حركة الملاحة جنوب البحر الأحمر يمكن أن يعيد تشكيل طرق التجارة بين آسيا وأوروبا، ويرفع تكاليف النقل، ويضع قناة السويس أمام ضغوط ومنافسة متزايدة.
لكن السؤال الذي يظل مطروحًا: هل يريد الحوثيون بالفعل إغلاق باب المندب؟
حتى الآن، فإن تصريحاتهم المعلنة تقول غير ذلك، وهو ما يجعل الهدف المحتمل أكثر تعقيدًا؛ إذ قد يكون المقصود الاحتفاظ بالقدرة على تهديد الملاحة واستخدامها كورقة سياسية وتفاوضية، بدلًا من الدخول في مواجهة تؤدي إلى إغلاق المضيق بصورة شاملة.
وهنا نصل إلى جوهر التحول الاستراتيجي في المنطقة: المعركة لم تعد تدور حول السيطرة على الأرض اليمنية وحدها، وإنما حول الجغرافيا التي تمر عبرها حركة العالم.
فهرمز وباب المندب ليسا مجرد ممرين مائيين، بل نقطتا اختناق عالميتان تؤثران في النفط والتجارة والتأمين وسلاسل الإمداد. ولهذا فإن أي قوة إقليمية تستطيع التأثير في أمن أحدهما تكتسب وزنًا يتجاوز حجمها العسكري والاقتصادي المباشر.
والخطر الحقيقي لا يكمن فقط في سيطرة طرف على مدينة أو جزيرة، وإنما في تحول الممرات البحرية إلى أوراق دائمة للمساومة السياسية، بحيث يصبح أمن التجارة العالمية رهينًا بتوازنات القوى المحلية والإقليمية.
ومن هنا يجب قراءة ما يحدث في اليمن بعيدًا عن حدود الحرب اليمنية؛ فالمخا وميون وباب المندب وهرمز والسعودية وقناة السويس أصبحت حلقات مترابطة في صراع أوسع على النفوذ، واختبار حدود القوة الأمريكية، ومحاولة كل طرف امتلاك أوراق ضغط جديدة قبل الوصول إلى أي تسوية.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة: هل يتحول باب المندب إلى ساحة مواجهة مفتوحة، أم يبقى ورقة تفاوض تستخدمها الأطراف لإعادة رسم موازين القوى دون الوصول إلى إغلاق الممر؟
وفي الحالتين، فإن مصر تنظر إلى باب المندب باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمن قناة السويس، وتتعامل مع أي تغيير جوهري في موازين القوة حوله باعتباره قضية أمن قومي، لا مجرد تطور عسكري في حرب بعيدة.
ففي صراع الممرات البحرية، لا تكون السيطرة وحدها هي مصدر القوة، بل القدرة على التأثير في أمن الطريق وتكلفة عبوره؛ ومن هنا قد تتغير خريطة النفوذ في الشرق الأوسط دون أن تتغير خرائط الحدود.








