أخبار فنية

قراءة في فيلم الفارس الأسود

قراءة في فيلم الفارس الأسود

 

بقلم المخرج محمد شامية

 

تكمن خطورة وحساسية هذا الفلم في كونه يمنح للشر منبرا للدفاع عن نفسه ولتقديم محاججة منطقية فلسفية في مواجهة دوافع الخير ومبرراته .. الصراع هنا فكري أكثر منه صراع شخصي بين شخصيات افتراضية في حدوتة سينمائية شيقة بكثير ..

اذ يتهم الناطق باسم الشر “الجوكر” نظرية الخير بأنها ببساطة حب الناس لشعورهم بالأمان عن طريق الاذعان لخطة كبرى رسمها لنفسه المجتمع والتي في حقيقتها تعمل لصالح بضعة اشخاص متنفذين لا يقوون على ايذائهم لا اكثر ولا اقل في حين تستمر نظرية الخير على لسان الرجل الوطواط واعوانه باتهام الجوكر وامثاله بانهم مجرد شذاذ مجتمع مدعين يبررون انحرافاتهم ولا يمثلوا سوى انفسهم

.. _ العمل اشبه بمناظرة مخبرية معملية تضع النظريتين على المحك .. فنرى الجوكر يمنح الخيارات القذرة لاكثر الناس ادعاء لبعدهم عما يسمونه انحرافا في المواقف المتأزمة التي تتطلب منهم خيارا مصيريا على سبيل التحدي ليثبت ان خلف ذاك التمدن الظاهري وجها اقبح من وجهه المليء بالندوب والمساحيق والذي لا يرتقي لتسميته قناعا بالمقارنة .

الا اننا نلاحظ بان الجوكر لا يرى للحياة اية قيمة حتى حياته هو نفسه التي يتمنى بان تزهق على ايدي باتمان في سبيل اثبات وجهة نظره واطلاق العنان للوحش القابع في نفس كل منا مقابل دفعة صغيرة ستجعل منه ببساطة جوكر آخر لا محالة مما يمنحه شعور بالابدية والاستمرار .

لولا مشهد العباراتين اللتين تحمل احدهما مساجين ومجرمين والاخرى اناس من شتى طيوف المجتمع المدني المسالم لكان الفلم جريمة بحق الانسانية وينتصر للانحراف حقا .. عندما خير الجوكر في محاولة منه لاثبات وجهة نظره العبارتين ان يفجر احدهما الاخر قبل ان يفعل الاخر ذلك ومنحهم مدة زمنية محدودة وكانت النتيجة امتناع العبارتين عن الامر رغم كل ما شاب هذا الطقس من شك وفوضى ..

حرص الفلم ان يمنحنا بنهايته بطلا حقيقيا حمل وزر كل تلك الانحرافات والخراب الذي تسبب به الجوكر وانكفأ عائدا لظلامه متقبلا تجريم ذاته اعلاميا عوضا عن خلخلة ثقة الناس ببطلهم وهو محافظ المدينة الذي يؤمن بان المرحلة تحتاجه والذي يمكن للناس رؤيته ولمسه ولا يملك رفاهية التخفي مثله ..

المحافظ الذي نجح الجوكر بتغليب جانبه الخفي القذر على جانبه البطولي حقا واثبت وجهة نظره من خلاله ليغدو بوجه نصف محترق ومسخ يتلاعب بالمعايير لصالح مآربه النفسية فقط .. فكان الرجل الوطواط المجرم البطل .. والفار المحارب .. والقاتل والضحية في آن .. ورأى في ذلك اجراء ضروريا منصفا طالما ستنعم مدينته ومجتمعها بالسلام ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى