اخبار عربية

الباحث نذير جعفر ضيف ندوة عن محمود درويش في اتحاد كتاب وصحفيي فلسطين

الباحث نذير جعفر ضيف ندوة عن محمود درويش في اتحاد كتاب وصحفيي فلسطين

متابعات غنى منصور

أقام الاتحاد العام للأدباء والكتاب والصحفيين الفلسطينيين ، ندوة ضمن سلسلة فعاليات ملتقاه الشهري ملتقى الأجيال حول إبداعات الشاعر محمود درويش ، استضاف فيها الأستاذ الباحث والكاتب نذير جعفر الذي تناول الشخصية الإبداعية الفذة للمبدع الفلسطيني الكبير محمود درويش تحت عنوان ” محمد درويش وردة الغياب ” منوهاً بداية إلى أن محمود درويش توفي يوم السبت ٩ ‏/ ٨‏ /٢٠٠٨ ، في أحد مستشفيات تكساس في جنوب الولايات المتحدة الأميركيّة. ونقل جثمانه إلى رام الله حيث وري الثرى في قصر الثقافة بعيداً عن قريته ومسقط رأسه «البروة».

وفيما يلي نص ما قدمه الأستاذ نذير جعفر:
في ذكرى غيابه المؤلم، الملتبس، كما في حضوره البهيّ، الإشكالي، ما زال محمود درويش رفيقَ أحلامِنا وأرواحِنا، وكلمةَ سرِّ عشقِنا، وجناحَ مخيّلتِنا، وإيقاعَ خطوِنا. وما زلنا نستظلُّ بأغصان كونه الشعري الشاسع، ونرتدي قميصَ فراشاته الملوّنة في خريف يأسنا المديد!
وإذْ نرثي ـ في ذكرى رحيله ـ خراب المدن وانكسار الشهداء، ليس لنا سوى أن نهمس: يا موت أخذت أجملنا، لكنك لم تنتصر عليه! ها هو بيننا اليوم، وسيبقى صوتنا وصدانا، صورتنا وسؤالنا، مقاومتنا ورهاننا على المستقبل.
رحلة درويش مع الشعر والحياة والمقاومة، لم تكن باستقامة جادة نيفسكي، إنها رحلة الربّان المغامر في قلب العاصفة. رحلة الشاعر مع الصور والكلمات والمعاني في مجرّة الإبداع العظيم، المتجدّد، الذي لا يتوقف عند حدّ. فبقدر ما كان مشغولا بقضيته ووطنه، انشغل بتطوير نفسه وفكره وأدواته الفنيّة، وجماليات شعره وعمقه المعرفي، حتى لو كان ذلك على حساب علاقته بالجمهور، وهنا تكمن مأثرته بوصفه شاعرا لا يستمدّ قيمته من نبالة القضية التي يدافع عنها فحسب، وإنما من فنيّة شعره، وقدرته على الابتكار والتفرّد والتأثير في أبناء جيله وعصره.
أول ملمح في تجربة درويش أنه لم يقع في فخّ النمطيّة، ومن هنا جاء التنوّع الفنّي والجمالي في مقاربته للتراجيديا الفلسطينيّة عبر الانفتاح باستمرار على تجارب الشعر العربي والعالمي، ومحاكاتها وتجاوزها في آن معاً. وثاني ملمح في هذه التجربة قدرتها على الجمع بين عمق المضمون وجدّة الرؤيا وفنيّة التعبير، وهو ما جعل منها تجربة نوعيّة تصل إلى مستويات متباينة من الجمهور، ويتذوقها ويعجب بها المثقف والشاعر والقارئ العادي. وثالث ملمح ثراء هذه التجربة على مستوى الإيقاع الموسيقي، والصورة، والغنائية، والتوليد والاشتقاق في المعجم اللغوي، والقدرة على استثمار وتوظيف واستلهام بطولات المقاومة والصمود والموروث الشعبي الفلسطيني، والتراث الإنساني، وأساطيره، ومحكياته. ورابع ملمح سعة ثقافة درويش واطلاعه وجمعه بين شخصيّة الشاعر والكاتب والمثقف العضوي وصاحب المشروع الفكري والسياسي والأدبي الذي تجلّى في مجلّة «الكرمل» التي رئس تحريرها وأشرف عليها حتى رحيله. وقد شكّلت بأعدادها مرجعا لكل شاعر وناقد ومفكر، كما استقطبت معظم الأقلام المجدّدة على مستوى الشعر والسرد والنقد. وخامس ملمح نفوذ هذه التجربة إلى خارج الحدود عبر ترجمة أعمال درويش الشعرية إلى لغات عالمية عدّة، وهو ما لم يحظَ به أي شاعر عربي معاصر سواه. ومن هنا كان قادة الصهاينة يشعرون بخطورة خطابه الشعري وقدرته على التأثير في استمالة عقول ومشاعر الغربيين للوقوف إلى جانب القضيّة الفلسطينيّة ومناصرتها، وهذا ما عبّر عنه أرئيل شارون رئيس الوزراء الأسبق بقوله لصحيفة «معاريف» في إحدى المقابلات: أنا أقرأ لمحمود درويش وديوانه الأخير مثير للإعجاب بشكل خاص، وأنا أحسده وأحسد الفلسطينيين عموما على علاقتهم الوجدانية بالأرض، هذه العلاقة التي يعبر عنها درويش بشكل كبير في قصائده».!!!!
في مثل هذه الأيام تتفتح ثلاث عشرة وردة على غياب درويش، ووردة أثر وردة سيصبح مثواه حديقة عطر وشعر تقاوم النسيان، وتفتح أفق حضوره الدائم على كلّ المدى. هذا الحضور الذي آن له أن يتجاوز كلمات الحبّ والرثاء إلى ما هو أبعد وأهم من ذلك، إلى إعادة قراءة شعره، ودراسته، ومساءلته نقديا، والوقوف على أسرار جماله، ومواطن ضعفه إن وجدت. وبذلك نكون قد وفينا بالعهد وكسرنا حاجز الموت وأشرعنا كل النوافذ على فضاء روحه الحيّة فينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى