الدين والحياة

حكم السب بألفاظ “يا كلب” و”يا حمار”ونحوها ؟

حكم السب بألفاظ “يا كلب” و”يا حمار”ونحوها ؟

السؤال .

هل يجوز للإنسان أن يقول للآخر: يا (كلب) يا حمار؟ وهل يعد هذا سبًا ؟

فكثيرًا ما ترد على بعض الألسن ألفاظ وكلمات مثل كلمة: يا كلب” و”يا حمار”.. ، وغير ذلك من الألفاظ التي لا تُقرّها شريعتنا الإسلامية، فما رأي فضيلتكم في هذه الألفاظ؟ و هل يستحق من قال هذه الألفاظ التأديب والتعزير ؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

المسلم عف اللسان

الأصل في التعامل مع الناس كلهم هو القول الحسن، لقوله تعالى: { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} {البقرة:83}.أي :مَنْ لَقِيتَ مِنَ النَّاسِ فَقُلْ لَهُ حَسَنًا مِنَ الْقَوْلِ. فينبغي للمسلم أن يكون عف اللسان بعيدا عن السب والشتم، فالأصل في المسلم – البعد عن الفحش والسب؛ كما في الحديث: ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء. رواه أحمد والترمذي

قال النووي – رحمه الله تعالى -:” ومن الألفاظ المذمومة المستعملة في العادة قوله لمن يخاصمه: يا حمار، يا تيس، ياكلب، ونحو ذلك، فهذا قبيح لوجهين:

أحدهما: أنه كذب.

والآخر: أنه إيذاء

وعن العلاء بن المسيب عن أبيه قال :لاتقل لصاحبك يا حمار يا كلب يا خنزير

فيقول لك يوم القيامة : أتراني خلقت كلبا أو حمارا أو خنزيرا

وعن الأعمش عن إبراهيم قال : كانوا يقولون: إذا قال الرجل للرجل : يا حمار يا كلب يا خنزير ، قال الله له يوم القيامة : أتراني خلقت كلبا أو حمارا أو خنزيرا .إن المسلم ينبغي له أن يتنزه عن الطعن واللعن والفحش والتفحش لأنه إيمانه وحياءه يمنعانه من ذلك ، ولأنه هو لا يحب من أحد أن يطعن فيه أو يلعنه أو يفحش الكلام له ، وإن صدور مثل هذه الكلمات من المؤمن في حق أخيه المؤمن مستقبحة تأنفها الفطر السليمة والدين القويم ، فإن الإسلام جاء بتربية المؤمنين على الحياء والأخلاق الكريمة وحثهم على التخلق بتلك الأخلاق العظيمة التي يبلغ المتخلق بها درجة القائم بالليل الصائم بالنهار .

ففي صحيح الأدب المفرد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ الرَّجُلَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خلقه، درجة القائم بالليل”.

وفي سنن أبي دواد عَنْ عَائِشَةَ رَحِمَهَا اللَّهُ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ»

وفي صحيح الأدب المفرد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ “، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. قَالَ الْقَوْمُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله! قال: ” أحسنكم خلقاً”.

هذه مرتبة الأخلاق العظيمة التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم وكيف لا يحرص على ذلك ، عن أبي الدرداء رضي الله عنهـ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق وإن الله يبغض الفاحش البذي “.

وفي صحيح الأدب المفرد عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَنْ أُعطي حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ؛ فقط أُعطي حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ؛ وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ؛ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ. أَثْقَلُ شَيْءٍ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَإِنَّ اللَّهَ ليبغض الفاحش البذيء”

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ؛ فَإِنَّهُ أهلكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ؛ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَقَطَعُوا أَرْحَامَهُمْ، وَالظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (وَإِيَّاكُمْ وَالْفُحْشَ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يحب الفاحش المتفحش)).

فلا يجوز للإنسان أن يصف أخاه المسلم بالكلب؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾[الإسراء: 70] ولا شكَّ أن مثل هذه الألفاظ لا تليق من المؤمن مع أخيه، يقول جلَّ وعلا:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }[الحجرات:11].

ومعنى وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ أي: لا يقل أحدُكم للآخر: يا حمار، يا قط، يا كلب، يا نيص، يا خنزير، يا كذا، يا كذا، لا، إنما يُخاطبه بالتي هي أحسن، ، وبأطيب أسمائه ووأحسنها ؛ لأنَّ الخطاب بهذه الألقاب الشَّنيعة يُثير الشَّحناء والعداوة والفتن، ويُوغر الصُّدور، وربما أفضى إلى المقاتلة والمضاربة.

فالواجب حفظ اللسان وعدم اللَّمز بما يجرح أخاك من أي كلمةٍ فيها جرحٌ له وعيبٌ له وإيغارٌ لصدره؛ عملًا بقوله سبحانه:{ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ}، وقد يكون اللَّمز بالإشارة بالإصبع، أو بالعين، أو بغير هذا، فلا يجوز اللَّمز لا بالإشارة، ولا بالقول، ولا بالفعل،

ومن الغريب الواقع أيضا عند كثير من النّاس والمؤسف أن يقول الوالد لولده من صلبه يا ابن الحمار أو يا (ابن كلب) ومعلوم أن الحمار لا يلد إلا الحمار وأن الكلب لا يلد إلا الكلب فكأنه يقول : إن والدك كلب ، وأنت ولده.

ففي البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ»

وهذا فيه تعليم للولد على هذا الخلق فيصبح الولد إذا سمعه من والديه يطلقه على من خاصمه من الأولاد ،ولو لم يفعله الكبار ما تعلمه الصغار .

والصواب: أن يقول لابنه (أصلحك الله وهداك).

فالدعاء للولد والعاصي من إخوانه وغيرهما أنفع، لعل الله يجيب الداعي فيصلح المدعو له.

إن حكم التعيير بالألفاظ المستقبحة مثل يا حمار ويكلب وخنزير وغير ذلك والسب بها ويغيرها من السب والشتم منهي عنه شرعا ..وأقل أحواله انه من التنابز بالألقاب .

فقد أخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن عَطاء {وَلَا تنابزوا بِالْأَلْقَابِ} قَالَ: إِن يُسَمِّيه بِغَيْر اسْم الإِسلام يَا خِنْزِير يَا كلب يَا حمَارذكره ابن جرير والبن كثير عنه والبغوي في شرح السنة والخازن في تفسيره والشوكاني في فتح القدير.

وعَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يَسُبُّنِي؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْتَبَّانِ شَيْطَانَانِ يَتَهَاتَرَانِ وَيَتَكَاذَبَانِ» صحيح الأدب المفرد

وفي مسند الإمام أحمد عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ رضي الله عنه قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي يَشْتُمُنِي) (وَهُوَ أَنْقَصُ مِنِّي نَسَبًا) (عَلَيَّ بَأسٌ أَنْ أَنْتَصِرَ مِنْهُ؟ ، فَقَالَ: ” الْمُسْتَبَّانِ شَيْطَانَانِ، يَتَهَاتَرَانِ وَيَتَكَاذَبَانِ )) صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب

وهل يستحق قائل هذه الألفاظ التأديب والتعزير ؟

إن السب بمثل تلك الألفاظ ككلب وخنزير أو تشبيه الإنسان بالكلب أوالحمار يعد من السب المنهي عنه ويستحق به التأديب عند الجمهور حتى وإن لم يرد فيه حد من الحدود ،عَنْ عَلِيٍّ – رضي الله عنه – فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: يَا خَبِيثُ، يَا فَاسِقُ، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ حَدٌّ مَعْلُومٌ، يُعَزِّرُ الْوَالِي بِمَا رَأَى.

وروى عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن قول الرجل للرجل: يا فاسق ، يا خبيث؟ قال: ” هن فواحش فيهن تعزير وليس فيهن حد “. أخرجه البيهقي

ولذا فقد حكم العلماء بالتعزير والتنكيل من الإمام وولي الأمر بمن صدرت منه في حق أخيه مثل هذه الألفاظ.

قال الشيخ محمد عليش المالكي في شرحه لمختصر خليل الخرشي: لو قال: يا فاسق أو يا فاجر، أو يا شارب الخمر، أو يا ابن الفاسقة، أو يا ابن الفاجرة، أو يا آكل الربا، أو يا حمار، أو يا ابن الحمار، أو يا خنزير، أو ما أشبه ذلك، فإنه يؤدب. انتهى.

وفي المدونة لسحنون “فِيمَنْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا شَارِبَ الْخَمْرِ أَوْ يَا حِمَارُ أَوْ يَا فَاجِرُ] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: يَا شَارِبَ الْخَمْرِ أَوْ يَا خَائِنُ أَوْ يَا آكِلَ رِبًا؟ قَالَ: يُنَكِّلُهُ السُّلْطَانُ عِنْدَ مَالِكٍ.قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: يَا حِمَارُ أَوْ يَا ثَوْرُ أَوْ يَا خِنْزِيرُ؟ قَالَ: يُنَكِّلُهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ فِي رَأْيِي، وَقَدْ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ يَا حِمَارُ.

وقال المرداوي في الإنصاف: يعزر بقوله، يا كافر, يا فاجر, يا حمار, يا تيس, يا رافضي, يا خبيث البطن, أو الفرج, يا عدو الله, يا ظالم, يا كذاب, يا خائن, يا شارب الخمر, يا مخنث، نص على ذلك. اهـ.

وقال النووي في المجموع: ومن الألفاظ الموجبة للتعزير قوله لغيره يا فاسق يا كافر يا فاجر يا شقي يا كلب يا حمار يا تيس يا رافضي يا خبيث يا كذاب يا خائن يا قرنان يا قواد يا ديوث يا علق.

وخالف بعض أهل العلم من الحنفية فرأوا أنه لا يوجب تعزيرا، فقد جاء في الفتاوى الهندية على الفقه الحنفي: الأصل في وجوب التعزير أن كل من ارتكب منكراً أو آذى مسلماً بغير حق بقوله أو بفعله يجب التعزير، إلا إذا كان الكذب ظاهراً في قوله؛ كما إذا قال: يا كلب، أو يا خنزير، أو نحوه، فإنه لا يجب التعزير كذا في شرح الطحاوي، وهو الصحيح هكذا في فتاوى قاضي خان. انتهى.

وجاء في المبسوط للسرخسي: ولو قال: يا حمار، أو يا ثور، أو يا خنزير، لم يعزر في شيء من ذلك، لأن من عادة العرب إطلاق هذه الألفاظ بمعنى البلادة أو الحرص, ولا يريدون به الشتيمة, ألا ترى أنهم يسمون به؟ فيقال: عياض بن حمار وسفيان الثوري, ولأن المقذوف لا يلحقه شين بهذا الكلام, وإنما يلحق القاذف، فكل أحد يعلم أنه آدمي وليس بحمار وأن القاذف كاذب, وكذلك لو قال: يا كلب, وحكي عن الهندواني أنه قال يعزر في عرف ديارنا، لأن هذا اللفظ فينا يذكر للشتيمة، والأصح أنه لا يعزر، لأن من عادة العرب إطلاق هذا الاسم لمعنى المبالغة في الطلب وقلة الاستحياء, فقد يسمون به كالكلبي ونحوه، ثم كل أحد يعلم أنه كاذب فالشين يلحقه دون المقذوف. اهـ.

وجاء في الموسوعة الفقهية: وكذلك يعزر إذا شبهه بالحيوانات الدنيئة كقوله: يا حمار, يا كلب, يا قرد, يا بقر، ونحو ذلك، عند جمهور الفقهاء ـ المالكية والشافعية والحنابلة، وهو المختار عند متأخري الحنفية… اهـ.

وعلى هذا فلا يصح من المسلم أن ينطق الا بالحسني وبالكلم الطيب ومن تعود على الطيب من القول اعتادة ،والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.

محمد أبوالنصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى