مفالات واراء حرة

من يلقن الوفاء لمن؟

من يلقن الوفاء لمن؟


ح
بقلم الدكتور محمد جمال: أستاذ التعليم العالي بجامعة السلطان مولاي سليمان ـ المغرب ـ

سؤال طال الأمد على بعثه من رقاد مقبرة القيم التي تفنن في نقش يافطاتها الرخامية محسوب أو محسوبة على رقة المدنية ورهافة الحاضرة !… خلط النقاشون في الخطوط: بين أندلسي ومغربي وكوفي وحجازي، ضدا على ما يمليه حفظ الخصوصية والانتماء لهوية المكان والزمان

.
يحسبون نقوشهم التي يتنافسون اليوم في رسمها ترحما على قيمة الوفاء. وهم من أقبروها بالأمس في عز شباب الأعمار. وطفقوا اليوم يغازلون أطلالها مغازلة الأبرياء من الأوزار.

وهم من ازدرأوا من اتخذوا الوفاء لبوسا من الوافدين من منابع الطهر والصفاء على أزقة ضيقة حفلت بألوان من ناس يوحدهم نفس اللباس، لكن يفرقهم ما يتميز به ناس عمن هم أبعد من أن يحسبوا في عداد الناس.

ترى هل يدرك الهامس الملتحف اليوم في جبة الوفاء ما كانت تحدث به نفسه طفلا حديث عهد بمعانقة المصابيح والأضواء في الملاء .. حديث عهد بمفارقة ليالي النجوم الغراء.. أم تراه يعني له مجرد قطعة من لحم تمشي كما يمشي بقية الخلق من ذوات الأربع وذوات الإثنتين؟. تراه هل كان يدرك لغة عينين لا تكذبان في القول، وحركات في الصدر تصدق شعلة النبض؟.

ترى هل يدرك الهامس معنى صوت الحليب وهو يرتطم بقاع الإناء عند حلب الحالبة الحاذقة له قبل بزوغ الشمس؟ هل يدرك ما يعنيه أن يشارك طفل يافع ـ نهل حليب دافئ من نفس الإناء ـ عجلا حديث الولادة متفلتا من رباطه بقائمة أمه الأمامية؟.

هل يدرك معنى أن تتحلق مع بضع خرفان بيضاء حول مدفأة الشتاء في الليالي المثلجة القاسية تقاسمك حساء المساء…؟

هل يدرك معنى أن تنام بجانبك خرفان وعجول نقية رطبة الملمس .. تفترشون معا نفس الفرش وتلتحفون نفس الغطاء.. في مطبخ بدوي رحب بمساحة دار في زقاقات المدينة القديمة … مطبخ جعل منه رب الأسرة مستوصفا دافئا استثنائيا يستقدم ضعاف المخلوقات من اصطبلاتها في الليالي الممطرة الباردة لتشارك الآدميين وجبة العشاء حول الكانون. وما ذكرها في هذا المقال إلا عربون وفاء يا من يهمس من بعيد بتلقين الوفاء.

هل يدرك ما معنى أن تركب جوادا مهرا وأنت طفل من غير سرج ولا لجام يطيع بالكلمة واللمسة من غير همز أو إحجام بعنان؟

هل يدرك لغة طائرين يقطنان شجرة الصفصاف قبالة شباك برج في أعلى الدار في عش قديم يرممانه كل سنة عند حلول موسم التين؟. أي منهما الذكر وأي منهما الأنثى؟ أي منهما يتكفل بحضانة الفراخ وحمايتهما وأي منهما يتكفل بجلب القوت في حوصلته لشريكه ولفراخه؟ ما يعنيه الحب لكليهما؟

هل يدرك الهامس ما يعنيه أن يقاسم طفل متمدرس ذو عشر سنوات قيلولة الهجيرة مع قطيع أبقار تحت دوحة صفصاف وارفة .. يتخذ من إحدى البقرات وسادة ناعمة. حتى إذا قام الأبقار بعد زوال الهجيرة لنشدان المرعى تخلفت تلك البقرة عن القيام تنتظر متى يزيل الطفل رأسه من على جنبها الذي اتخذ منه وسادة رائعة؟

ترى هل كان يدرك الهامس قدر الصدق الذي كان يصور به الوافد الصغير من المدر إلى الحضر مشاعره اتجاه الناس واتجاه رب الناس؟ أم أن تراه يسقط عليه فهمه هو لصدق ووفاء صنعه العجب والتباهي في حارات وأزقة الرياء؟

أيهما أولى بنسبته إلى الوفاء إذن. هل من اعتاد على أن يفتح عينيه كل صباح على أمم من المخلوقات تحكي ناموس رب العالمين في أصواتها وحركاتها؟ أم من اعتاد أن يفتح بصره في صباحه عبر شباك في زقاق ليرتطم بحائط الجوار أو بعمود إسمنت كهربائي له أذرع وخيوط لكنها ساكنة سكون الأصنام؟

جميل أن ننسب أنفسنا إلى المدينة لكن بشرط المدنية الصافية التي تعني في مقتضى اللغة تبادل المدنيين الديون فيما بينهم: ديون الدين والجوار والبشرية. بهذا الشرط يصح لمن يحسب على المدينة أن يصرح جهارا أو يبعث هامسا رسالة تلقينية في الوفاء. ولولا الوفاء لمنعنا الزيف والرياء من أن نجعل لأثاث البداوة مكانا في هذا المقال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى