أخبار فنية

قراءة في المسلسل الكوري لعبة الحبار

قراءة في المسلسل الكوري لعبة الحبار
بقلم السينارست محمد شامية

هاي انت .. لمن تصلي الآن ؟ .. للرب ! .. إذن انت تظن نفسك حيا بفضل الرب .. انت لا زلت تتنفس وتتكلم بفضل هذا العجوز وذلك الرجل الواقف هناك الذي ابتكر حيلة رائعة في اللحظة الأخيرة .. ان كنت ستشكر احد فالتشكر احدهما .
: ايتها النعجة المسكينة التائهة .. الا تسمعين صرخات الذين صلبوا اليوم ! .. حظينا بفرصة العيش ليوم اخر بفضل دمائهم وتضحياتهم نيابة عنا جميعا نحن الآثمين ..لقد شكرت القرار الذي اتخذه الرب بالتضحية بهم .. وعلى اثرها تلوت صلاتي .
: مجرد هراء ! .. لقد قتلت هؤلاء بنفسك .. آه .. هل سندخل الجنة جميعا ان تلونا بضعة صلوات مثلك ؟ .. تبا اذن علي ان اصلي ايضا ! .. أبانا الذي في السماوات لقد عملنا مع بعضنا سوية اليوم كي نرسل اليك اناس كثر فارجوك ساعدنا بارسال المزيد من الناس اليك لاحقا ..
: صمتا !
: اتريدني انا ان اصمت ام ذلك الرجل الذي اعيانا بتلاوة صلواته.
: بل كلاكما ..
حتى الحلقة الخامسة كنت اتسائل .. هل نحن امام عمل مسلي ام خلف كل ما نراه من لهو فكرة فلسفية ما ؟! .. الى ان جاء ذاك المشهد اعلاه في مطلع الحلقة الخامسة .. ستجد ان العمل محاولة تشريح مبسط عن الطريقة التي تتشكل بها المجتمعات البشرية عندما تتحول الاستمرارية في سبيل بلوغ هدف موحد امامها الى صراع بقاء بالضرورة .. وكيف تتخذ القرارات المصيرية القاهرة في ظل هذا العبث وطرائق التفكير المضمرة التي تفرزها رحى الموت امام ما يشبه اصطفاء الطبيعة النخبوي .. فرغم الانقسامات التي حدثت في ظله الا ان لكل جماعة زعيم يشبهها ونقاط ضعف وقوة .. فاولئك الذين يتحلون بالقوة والقذارة الاخلاقية الكافية من عتاة ومجرمي المجتمع حكمهم الاقوى .. وكانوا على توافقية جيدة طالما الاقوى مازال هو الاقوى .. اما الاخرون فقد حكمهم الأدهى .. وكانت سمة تابعيه ممن يتحلون بجانب انساني دفين وقد تمتعوا بتوافقية تفوق الاخرين حقا رغم ضعفهم بالمقارنة اذ نشأ بينهم نظام مبني على الثقة المتبادلة ووحدة المصير .. يوظف زعيم كل جماعة افرادها بمكانهم المناسب ولا يتوانى عن التضحية باحدهم في سبيل خلاصه الشخصي مع كل اختبار يخضعهم له المستضيف الاكبر لذاك المجتمع المتنافر باجتماعيته في مضمار لعبة الحبار خاصته .. والذي جائت اختباراته على شكل تسالي طفولية يتسلى بالفرجة عليها فقط من يملك كل شيء .. وكانه يثبت لنا من خلال تلك التسالي الطفولية ان ما يقومون به البشر طوال حياتهم ليس الا حصيلة مخزون تنافسي يترعرع عليه المرء منذ الصغر .. وان النزعة التكاملية المزعومة بين الافراد والمجتمعات ليست الا سلوكا غوغائيا ممجوجا وبعيدا كل البعد عن جعل الارتقاء بالذات الانسانية دافعا كافيا لتطبيقها ..
حتى وان كنت اله مطلقا في عرينك وترى الجميع وتخضعهم لقوانين صارمة غير رحومة مع التجاوزات الا ان الذات البشرية ستجد طريقها للفساد كما فعل بعض الحراس المسؤولين عن حراسة المبنى والذين رغم علمهم بكل ذلك قاموا بتجارة اعضاء اللاعبين القتلى الذين فرض عليهم اما ان يقتلوا او يتم قتلهم .. إن اقسى ما جاء بالعمل ليست المشاهد الدموية التي ذهب البعض الى انتقادها واعتبارها أمرا غير مبررا .. إنما القسوة الحقيقية كانت بقبول اللاعبين للمراهنة بحياتهم ثم اختيارهم التخلي عن اللعب ليفاجئوا ان العالم خارج ذاك المبنى اقل عدالة واكثر قسوة فيختارون العودة مرة اخرى ليلعبوا لعبة الحبار المغرقة بالقسوة ! .. سترى ذلك لوهلة سقطة درامية مدوية .. إلا انك ستكتشف لاحقا ان تلك الحلقة الفكرية كان لابد من اغلاقها في ذهن المشاهد بخروج اللاعببن وعودتهم الى اللعبة طوعا وهم اكثر اصرارا على استكمالها حفاظا على تماهى المشاهد بالشكل الصحيح ولترك طرف خيط يستدل به للبوابة التي يجب ان يدلف من خلالها للعبرة من كل ذلك بشكل محدد ودقيق .. العمل ليس سطحيا البتة .. وهو تلخيص مبسط كما اسلفت وليس حكاية بسيطة إن أمعنا النظر .. وقد تم به مراعاة اغلب الشرائح العمرية واختلاف ميولها ابتداء من أولئك الذين يتفرجون وبين شفتيهم بعض القشر من الفستق السوداني ولب البطيخ وانتهاء باولئك الذين ينتهي المطاف بفنجان قهوتهم باردا دون ان ينقص منه رشفة واحدة وعليه .. ستجد مقابل ذاك العبث الطفولي والدموية المفرطة حوارات فلسفية عميقة ومواقف انسانية مؤثرة .. ومقابل تلك الاهداف الجماعية الغريبة حكايا فردية تدمي القلب ..
لعبة الحبار ليس عملا ذو سيناريو ضعيف او ساذج كما رأى البعض وانما هو عمل لا يحتمل الفرجة الغير متمعنة ولا القراءة المتسرعة التي سيفوتها لا محالة تفهم جدوى الهيكلية السردية المتبناة في العمل ولماذا تم تنفيذه على نحو معين ليكتفي هؤلاء ببعض المقارنات الغير منطقية باعمال لها حيثيات ورسائل وبيئة مختلفة أصلا ..
هل كان البشر كمكون حي مذ وجدوا عامل ضبط وازدهار أسهم بكبح جماح ذاك الاستخفاف المقيت بالحياة ؟! .. ام انهم حقا من برمجوا تلك المتاهات والملاهي المنهكة كي يؤنسوا وحدة احدهم ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى