مفالات واراء حرة

تقاطعٌ اجتماعي بقلم الكاتبة هداية الله محمد سليم العجي

تقاطعٌ اجتماعي

بقلم الكاتبة هداية الله محمد سليم العجي

ثلاثة انشغلت أصابعهم بالطرطقة على حروف الهاتف المحمول إما مراسلة مع أحدهم على الكائن الأخضر أو كتابة تعليق لأحدهم في الفضاء الأزرق أو بحث في محرك تلون كالحرباء بعدة ألوان ….أم وابنتين ….اكتفت الأم بالتقليب في صفحات تعليم صنع الطعام والحلويات والوصفات الجديدة مع أنها تعرف أشد المعرفة أنها غير قادرة على شراء غرض واحد من مكونات هذه الوصفات مهما حدث …فهي موظفة في الدولة ..ومرتبها وإن أسدى لها معروفآ يصمد لأسبوع واحد فقط بعد أن تتقاضاه….ومع ذلك تستمر في متابعة تلك الصفحات ومواكبة آخر وصفاتهم …وابنتها الكبيرة دائمآ ما تضع صورآ على حالة كائننا الأخضر لمائدات طعام تتابعه أمها لتتباهى بها أمام صديقاتها لأن مستوياتهم جميعآ أعلى من مستواها المادي …فتشبع نقصها بتلك الأفعال الغبية…أما الصغيرة لا تفقه شيئآ من ذا ولا ذاك بل انهمكت بالبحث عما يرضي رغباتها العمرية كمراهقة …من مسلسلات غربية لا تخلو من تشويه للعقل والفكر والمبادئ…أو مقاطع لأناس يظنون أنفسهم شيئآ يستحق المشاهدة على هذا الكوكب ولكنهم في الحقيقة خرجوا من المستنقعات حاملين معهم أقذر الأفكار والسخافات ليقوموا بدسها في عقول الشباب والمراهقين أمثالها …وهي مسكينة لا تعلم شيئآ عن قواعد لعبتهم الخيثة تلك وأن غايتهم من وراء ذلك هو جمع الأموال فقط والوصول للمستوى المعيشي الذي يريدونه ولو على أكتاف الآخرين…تنظر الفتاة الكبيرة بيأس لأمها قائلة في نفسها : إلى متى ستظلين تشاهدين هذه الوصفات من دون أن تطبقيها لنا ولو لمرة واحدة…إلى متى …؟!

وتنظر الصغيرة إلى أختها باشمئزاز مخاطبة نفسها أيضآ : تضع صورآ لا تمت لمائدتنا ولا لحياتنا هذه التي نعيشها بصلة وتظن أن من يشاهدونها أغبياء وسيصدقون أنها لنا فعلآ ..يا لهذه الرجعية في تفكيرها.. ويا لها من فتاة خرقاء ….

تعود الأم لتبتلع خيبتها قائلة في نفسها هي الأخرى : صغيرتي أصبحت تتابع أشياء لا تليق بها كيف لي أن أقنعها بالابتعاد عن هذه الأشياء ؟؟

ومع أن لا أحد راض عما يفعله غيره إلا أن أحدهم لم ينبس ببنت شفة

يقطع هذه الأحاديث الداخلية انقطاع التيار الكهربائي فيضطرون لأن يعودوا لأحاديثهم الخارجية المملة

 ينظر الجميع إلى بعض بتململ وعدم رضا … صمت قاتل يعم المكان

 من سيقوم لينير الضوء الاصطناعي …تقوم الصغيرة فتنيره… لتتفاجئ بتغيير كبير لم تنتبه له أثناء انشغالها بهاتفها …كبرت الأم كثيرآ وتغيرت ملامحها …اختها باتت كشبح ناطق من كثرة ما حبست داخلها وكبتت

نظرت في المرآة إلى وجهها

يا إلاهي لقد أصبحت كبيرة جدآ في وقت قصير

ينظر الجميع إلى بعض باستغراب كأنهم أصحاب الكهف خرجوا على أهل المدينة لا يعلمون كم لبثوا في كهفهم ذاك ….يومآ او بعض يوم …..لا أحاديث تدور بينهم سوى قصص مملة مر عليها سنوات طوااال فهم لا يعلمون شيئآ عن بعضهم في الوقت الحالي …..قصصهم الآن لم تعد متاحة للنقاش العائلي بل أصبحت تناقش وتعالج مع أناس يبعدون عنهم آلاف الكيلو مترات أيضآ على منصات (التقاطع الاجتماعي) ..فقد أصبحوا غرباء في زمن لا غريب فيه…..وبعد ساعتين تقريبآ وقد ملت كلن منهن وجه الثانية عاد التيار الكهربائي وأعاد معه رتابة الحياة

أعادها كما كانت بالضبط

متابعة لطعام لن يطهى بحياته

حالات لن تصبح حقيقة مهما وضعت

مقاطع لا تنهتهي من السخافات والانحطاط الفكري والمجتمعي

إلى أن يأتي التراب ويواري سوءة آحداهن فتقوم الاثنتين الباقيتين بالندب عليها ونشر أحر التعازي والصور السوداء لها

و أيضآ على منصات (التقاطع الاجتماعي) واحدة تلو الأخرى

ولكني سأكون شاهدآ على يوم تعضون فيه أصابعكم ندامة أنكم لم تعطعوا لأنفسكم الفرصة بأن تتعرفوا على بعضكم أكثر

ولم تستغلوا كل ثانية في هذه الحياة لتتقربوا فيها من بعضكم البعض ولتقضوا معآ أجمل الأيام التي لن تعود مهما حاولتم

الراوي : طيف لأب توفي عنهم وقد كانوا جالسين جلستهم تلك عندما قبض ولم ينتبه إليه أحد إلا عندما انقطع التيار الكهربائي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى