مفالات واراء حرة

شمال وشرق: الأرض المباحة والدولة العربية الجديدة

بقلم الكاتب السعودي – عارف العضيلة

يجهل الكثيرون أنه يوجد في عصرنا الحاضر أراضي على غير مملوكة لأي دولة! وغير خاضعة لسيادة أي دولة أو منظمة دولية! .. هذه حقيقة موجودة وأكيدة. هذه الأراضي تسمى وفق القانون الدولي (الأرض المباحة) ومعناه الأراضي التي لا تخضع لسيادة أي دولة أو الأراضي التي كانت خاضعة لسيادة دولة ما و تخلت عنها .. لسبب أو لآخر. ووفق القانون الدولي أيضا يستطيع أي شخص المطالبة بهذه الأرض وإعلان قيام دولته على ترابها .. ولا يوجد أي نص يمنع أي دولة أن تعترف بها. وتقيم معها علاقات دبلوماسية. ورغم أن مثل هذه الأراضي كانت منتشرة وبكثرة بسالف السنيين والعصور إلا أنه في العصر الحديث .. لم يعد لمثل هذه الأراضي أي وجود إلا في حالات نادرة .. ونادرة جداً .. ووفق ظروف ومعطيات خاصة وإستثنائية ..

في عصرنا الحالي هناك ثلاث مناطق فقط تصنف وفق القانون الدولي أنها أراضي مباحة … أكبر هذه المناطق مساحة هي القارة المتجمدة الجنوبية .. التي هجرها السكان بسبب مناخها الشديد البرودة وبسبب عدم وجود مقومات الحياة عليها. وبعد تأكيدات جهات مختصة بوجود ثروات طبيعية في هذه القارة. سارعت سبع دول بإعلان ملكيتها لهذه القارة .. وبعد خلافات شديدة وطويلة تم عقد ما عرف (بمعاهد القارة المتجمدة الجنوبية) حيث أقرت الإتفاقية أن القارة هي أرض مباحة. لكنه يسمح للدول السبع إستخدام جميع أراضي القارة وما في جوف أرضها وبحارها للأبحاث العلمية والأغراض السلمية .. مع الإقرار بعدم السماح لأي دولة بإمتلاك أي جزء من هذه القارة أو المطالبة بها مستقبلاً .. ووفق القانون الدولي أيضاً لا تلزم بنود هذه الإتفاقية سوى الدول السبع الموقعة عليها .. أي إن المجال متاح نظرياً على الأقل للمطالبة بملكية هذه القارة المتجمدة.

في عالمنا العربي توجد أرض مساحتها 2000 كم مربع. أي ما يزيد عن ثلاث أضعاف مساحة مملكة البحرين. تقع بين مصر والسودان .. تعرف هذه الأرض بمسمى ” البئر الطويل ” وهي منطقة صحراوية وأرضها بكر .. لم تصلها أي مظاهر التمدن الحديث .. أما سبب كون هذه الأرض مباحة فهو الخلاف الحدودي بين مصر والسودان. فيتمسك المصريون بالرسم الأول للحدود والذي وضعه الإنجليز الذي يضم مثلث حلايب لمصر وبئر طويل للسودان. بينما يطالب السودانيون بخطة الترسيم الثانية التي تجعل مثلث حلايب سودانياً .. وبئر طويل مصرية. وحيث أن مصر ووفق الأمر الواقع تخضع سيادتها على مثلث حلايب فقد أبعدت نفوذها عن بئر طويل.

أما السودان فيطالب بحلايب .. ويرفض وضع سيادته على بئر طويل. لأن بسط سيادته على هذه الأرض سيعني إعتراف ضمني منه بقبول خطة الترسيم الحدود الأولى التي تقرها مصر وتطالب السودان الإعتراف بها .. ويرفضها السودان جملةً وتفصيلاً. ولذا بقيت بئر طويل منطقة وسطي بين الدولتين ولا يرفع فوقها علم أي دولة .. ولا يوجد على ترابها أي مرفق حكومي. والطريف أنه قبل خمس سنوات وصل رجل أمريكي يدعى (جيرميا هينون) إلى بئر طويل وعليها أعلن في يوم 16 يونيو 2014 قيام مملكة شمال السودان .. ونصب نفسه ملكاً ونصب أبنته أميرة على هذه (المملكة الوليدة) .. ووضع العلم الخاص بمملكته. فوق هذا التراب العربي والإفريقي الذي تخلى الجميع عن ملكيته. والأكثر طرافة إن هذا الملك طالب من منظمة الإتحاد الإفريقي الإعتراف بمملكته والإعتراف به ملكاً شرعياً على مملكة شمال السودان. طبعاً لم تبدئ مصر ولا السودان وهما المعنيان الأولان بالموضوع أي ردة فعل لا إيجابية ولا سلبية عن هذا الموضوع .. لأن أي ردة فعل تقوم بها أي من الدولتين ضد المملكة الوليدة حتى وأن كان بسيطاً سيفسر ضمنياً انه إدعياء بملكية بئر طويل .. وعليه يكون ” الصمت حكمة “في هذه الحالة كما قالوا العرب قديماً ..

ومن الناحية النظرية بئر طويل غير خاضعة لسيادة أي دولة. ولكن من الناحية العملية فهي خاضعة تحت النفوذ السوداني (وليس السيادة) بحكم الأمر الواقع ,, فالحكومة السودانية تشرف وبطرق غير مباشرة على بئر طويل وعلى سكانها وخاصة بشؤون العلاج والمساعدات الإنسانية وغيره من الخدمات الضرورية والهامة . وأخر هذه الأراضي المباحة وأصغرها مساحة تقع في أوربا .. مساحتها 7 كم مربع فقط. نشأ هذا الكيان المباح بسبب خلاف حدودي بين صربيا وكرواتيا حيث كان نهر الدانوب هو الحد الطبيعي الفاصل سياسياً بين الدولتين. ولكن مع تغير مسار النهر بسبب التغيرات الجغرافية نشأت هذه الأرض التي تدعي كل دولة أنها ملك للدولة الأخرى .. وهذا جعل شخص يحمل الجنسية التشيكية ويدعى (فيت جيدليكا) إعلان قيام (جمهورية ليبرلاند) على هذه الأرض المباحة .. ووحدها (مملكة شمال السودان) هي التي أعترفت بهذه الجمهورية الوليدة , الجميل أن رئيس جمهورية ليبرلاند قد طلب المساعدة وفتح باب التبرعات لبناء البنية التحتية في دولته .. وأعلن عبر موقع إلكتروني ترحيبه بأي شخص يرغب الحصول على جنسية دولته الوليدة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى