مفالات واراء حرة

من كنوز مصر ” الجندي المصري “

بقلم – مروة الحمامصي

في يوم 23 يوليو 1952م , قامت حركة الضباط الأحرار بحركة عسكرية من شباب الضباط – فيما عدا اللواء محمد نجيب – غيرت من شكل الحياة في مصر جذرياً , وكانت مخاضاً لمجموعة من الأحداث على الصعيدين الاقليمي والدولي لامجال للحديث عنها في مقالنا . وكان من نتائج الثورة عزل الملك فاروق الأول وترحيله خارج مصر في 26 يوليو من نفس العام , وتولي ابنه الأمير أحمد فؤاد العرش وذلك تحت وصاية بدأت بمشاركة الأمير محمد عبد المنعم نجل الخديو عباس الثاني والسياسي الوفدي بركات باشا والقائم مقام رشاد مهنا من مجلس قيادة الثورة ثم أصبحت بيد الأمير محمد عبد المنعم شكلياً وفعلياً تحت وصاية مجلس قيادة الثورة , حتى أعلنت الجمهورية في 18 يونيو 1953م , وانتهى حكم أسرة محمد علي الذي اعتبر أجنبياً , حتى وإن ظل أكثر من مئة عام وقد رحب الشعب المصري و أصبحت مصر للمصريين بعد أن كان قادة الجيش يضم بين صفوفه الأجانب من الأتراك و البريطانيين , وبالرغم من أنه كان من أقوى جيوش المنطقة إلا أنه مر بعديد من الظروف لم تجعله مالكاً لزمام أمره فكانت حرب 1948م ضد العصابات الصهيونية في فلسطين – وهي كيانات تسللت بمباركة بريطانيا – في حين كانت بريطانيا لها قواعد عسكرية بطول القناة و في القاهرة نفسها بمنطقة العباسية , وقد قدم الجيش المصري في الحرب العالمية الثانية “1939- 1945″م جهوداً وأرواحاً ضاعت سدى في مواجهة جيوش المحور للدفاع عن بلادهم التي اعتبرها المحور حليفة لبريطانيا , وكان لمرور مصر بتوقيت عصيب أثناء الحرب العالمية الأولى “1914- 1918″م , فكانت بين شقي رحى وخرجت من عباءة الدولة العثمانية وفرضت عليها الامبراطورية البريطانية الحماية , واعتبرت جزءا منها وسلب من ابناء مصر حوالي مليون ومائتي ألف في وقت كان عدد سكان مصر حوالي عشرة ملايين نسمة , و ذهبوا كجنود لحماية الامبراطورية البريطانية وزج بهم للحرب ضد أعدائها وكان منهم الدولة العثمانية نفسها , فسيق الفلاح المصري الذي أخذ بالقوة للحرب بآسيا وأفريقيا و أوروبا وأثبت من البسالة والبطولة ماجعل بريطانيا تمنح العديد منهم أعلى الأوسمة العسكرية ومنها وسام الملكة فيكتوريا , وقد استشهد الكثير منهم ودفنوا في تلك الأراضي البعيدة .

ولاشك أن نزعة القومية التي سادت الجيش المصري وتجلت في ثورة 1952 م , كانت نتاجاً لبذرة غرسها الزعيم أحمد عرابي , الذي كان ايضاً له مجموعة من الرفاق من شباب الضباط كانوا مستائين من الظروف السياسية التي سيطر فيها الأجانب على حكام الأسرة العلوية وغاب الحكم الديمقراطي النيابي , والديون التي تراكمت والغنى الفاحش للأسرة العلوية وحاشيتها والذي قابله فقر مدقع للشعب المصري , وعدم حصول الضباط المصريين على الترقيات واقتصار الرتب العليا على الأتراك والجراكسة وهم من يكونون دائماً في الصفوف الأمامية في أي قتال حتى أن ابناء مصر زج بهم لحروب أزهقت أرواحهم فيها وهي حروب لاطائل من وراءها سوى الوجاهة السياسية والعسكرية كما فعل الوالي عباس الأول وبعده الوالي سعيد بارسال قوات مصرية لمساندة السلطان العثماني في حربه ضد روسيا القيصرية في شبه جزيرة القرم و حرب المكسيك الذي جامل الوالي سعيد الامبراطور نابليون الثالث بارسال قوات مصرية وسودانية لدعمه في الحرب ضد القوات الثائرة على حاكم المكسيك الموالي لفرنسا , وقد ترجمت كل تلك المطالب مظاهرة عابدين 9 سبتمبر 1881م , لكنها لم تكن من الجرأة للمطالبة بعزل أسرة محمد علي , ولم يتوفر لها النجاح في تحقيق مطالبها لأسباب كثيرة أهمها مساندة بريطانيا وفرنسا للأسرة العلوية ووقوفهما صراحة في وجه مطالب الثورة العرابية التي تهدد مصالحهما في مصر .

وإذا كانت الثورة العرابية قد قامت في عهد الخديو محمد توفيق وثارالضباط المصريون على سوء حالهم في الجيش , فقد كان الخديو محمد توفيق يطبق سياسة مؤسس الأسرة العلوية محمد علي الذي أراد تأسيس دولة قوية له ولذريته من بعده , وكان الجيش من ركائز الدولة القوية , فأقام جيشا كان قادته الكبار من الضباط الفرنسيين والايطاليين الذين سرحوا من جيش نابليون بعد تسوية فيينا وانتهاء الحروب النابوليونية في اوروبا , أما الضباط فكانوا من شباب المماليك – بعد النجاح في تصفية كبارهم وأعيانهم – وكان ضباط المماليك قد تلقوا التدريب العسكري الأوروبي الحديث من القادة الأوروبيين , أما الجنود فلم يرد محمد علي أن يكونوا من الأتراك والألبان لطبيعتهم التي تكره الانضباط والامتثال للأوامر , فاراد تجنيد العبيد من جنوب السودان الوثني حيث محمد علي قام بالفعل بغزو السودان لمطاردة فلول المماليك , وللبحث عن الذهب هناك – وكان ذلك نتيجة تقرير غير صحيح قد وصل إليه – , وبرغم من سيطرة محمد علي على أجزاء كبيرة من السودان فقد قامت الثورات ضد حكمه وضرائبه في شندي , وذبح قائد حملته وحاشيته هناك , إلا أنه قد جند ثلاثين ألفاً من أهل كردفان وسنار , وأرسلوا إلى بني عدي بالقرب من منفلوط , لكن توفي الكثير منهم , فاضطر محمد علي للانصات لنصيحة قنصل فرنسا بتجنيد الفلاح المصري , وكان انخراط المصريون للجيش أمراً منسياً منذ مئات الأعوام , وكان قوام الجيش مرتكزاً على قوات أجنبية منذ فترات بعيدة , لذلك لم يرحب الشباب المصري بالانضمام للجيش حيث كان التجنيد يتم بطرق غير انسانية , كما كان أمراً صعباً عليهم الانسلاخ عن أهلهم وقريتهم , فلجأ الفلاحون إلى تشويه أعضائهم , فتغلب محمد علي عى ذلك بقبول المشوهين بالجيش , وأنشأ آلاياً كاملاً ممن فقد إحدى عينيه أو أصبعه أو أسنانه الأمامية , وغير من أسلوبه في جمع الشباب , واستعان بالوعاظ في حثهم على الانصياع لطلبات التجنيد , ولكثرة ثورات الفلاحين على محمد علي والتي كان من أسبابها أخذ أولادهم للتجنيد , حرص على عدم أخذهم لمراكز قيادية والاكتفاء بكونهم جنوداً فقط .

واستطاع الجندي المصري أن ينثر الغبار الذي تراكم عليه طوال قرون طويلة ويستعيد أمجاد الماضي واستوعب جيداً التدريب الأوروبي الحديث الذي تلقاه , وصار قوة لا يستهان بها وذهب لليونان وسوريا والأناضول وحارب السلطنة العثمانية والدول الاوروبية والتي اتفقت عليه وادركت أن تثبيت قدمها في المنطقة لن يتأتى إلا بالقضاء عليه واضعافه والحفاظ على الدولة العثمانية مريضة حتى يأتي الوقت المناسب للإجهاز عليها وظهر ذلك جلياً في فرمان السلطان العثماني 1841م والذي باركته الدول الأوروبية الكبرى وكان من أهم بنوده تقليص عدد جنود الجيش المصري .

وإذا كان محمد علي الحاكم المقدوني الأجنبي الذي ادرك أهمية الجندي المصري فقد سجل التاريخ حاكماً مقدونياً آخر حكم مصر استعان بالجندي المصري في الجيش وهو الملك يطلميوس الرابع , فقد جاء الاسكندر ومن بعده بطلميوس الأول على قوات من الجيش المصري لم تكن على جانب كبير من القوة فقد قاومت على مدار مئات الأعوام ممالك قوية فارسية وآشورية ونشأت تحت كنف ممالك أجنبية على أرض مصر , فاكتفى الاسكندر و الملوك البطالمة الثلاثة الأوائل بالاعتماد على أقوى محاربين عرفوا في ذلك الوقت من المقدونيين والاغريق وقد فتحوا أكبر امبراطورية وقتها وهم أهل ثقة بالنسبة لهم ومن بني جلدتهم , أما المصريون فكانوا مصدر خطر عليهم إذا ماتقلدوا مناصب في الجيش فمن الممكن أن يستعيدوا بلدهم من الحاكم الأجنبي , وفي نفس الوقت اهمالهم قد يسبب التذمر بين صفوفهم , فعهدوا إليهم بأعمال بعيدة عن القتال مثل النقل , ولم يسلحوهم سوى بالأسلحة الخفيفة أو القديمة وذلك للاستعانة بها في الحالات القصوى , حتى واجه الملك بطليموس الرابع صعوبة في جلب الجنود الاغريق والمقدونيين , فاستعان بالمصريين وأعطاهم السلاح والتدريب الذي يليق بتكوين جيش قوي , وانتصر الجيش المصري على الملك السلوقي أنتيوخوس الثالث الذي كان جنوده من الاغريق والمقدونيين , في معركة رفح 217ق.م , وكان من أهم نتائج تلك المعركة ازكاء روح المقاومة المصرية فقد رأوا تفوقهم على الاغريق والمقدونيين إذا ماتوافر لهم السلاح والتدريب . فقامت الثورات ضد الحكم البطلمي الأجنبي والتي كان مركزها من القوات المصرية التي انخرطت في الجيش البطلمي , فقامت الحروب الأهلية واقيمت مملكة في الصعيد تحت حكم ملوك مصريين لمدة عشرين عاماً وانفصلت الدلتا تحت حكم الثوار وقامت الحروب الاهلية واستعان بطلميوس الخامس بالكهنة ليسجل تفانيه واخلاصه في خدمة الشعب والآلهة ورضا الكهنة عن الملك الصالح المصلح وهذا ما نقش في حجر رشيد الشهير وإذا كان الاستعانة بالجندي المصري في قلب الجيش سلاحا ذو حدين في يد البطالمة فقد اضطروا للاستعانة به في وقت كانت الآثار في كل مكان حولهم تشهد بقوة الجيش المصري من نقوش وصور و حصون وتحصينات وروايات عن مملكة قوية شهدت أول وأقوى حضارة عرفتها البشرية وفي بطولات الجيش المصري في التاريخ القديم لنا حديث آخر .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى