مفالات واراء حرة

((برغل بحمّص مع لحم الحبش))

قد تكون صورة لـ ‏‏شخص واحد‏ و‏نص‏‏
       بقلم المنتجب علي سلامي
من أكثر من ربع قرن، وبعد ثلاث سنوات من تعب وعناء وتجاهل في عملي الذي تجاهل شهادتي وهوايتي ، على الرّغم من أكثر من استثناء لتعديل وضعي الوظيفيّ من فئة
إلى أخرى حصلت عليهم من وزير النّقل رحمه الله، كانت تنام كلّها وتحلم في مكتب المدير الإداري العبوس في المرفأ سامحه الله ورحمه أيضاً….
لجأت إلى المسؤول الكبير في اتّحاد العمّال أشكو له حالي، والشّكوى لغير الله مذلّة، وكان طيّباً خلوقاً مُحبّاً متواضعاً وهذا ما دفعني لذلك…..
زرته في مكتبه الواسع الفخم لأطلب منه مساعدتي في تعديل وضعي الوظيفيّ في مرفأ طرطوس فهو المسؤول المدافع عن العمّال وعن حقوقهم …
وأنا صاحب حقّ ، فقد عُيّنت بعد انتهاء خدمتي الإلزاميّة والاحتياطيّة عاملاً من الفئة الرّابعة، وكانت تسميتي (بحّار ماهر) وأنا جامعيّ ولم أحظ بتعديل لوضعي، علماً بأنّ العشرات من العمّال الذين عُيّنوا بعدي عُدّلت أوضاعهم بطرق لايعلمها إلّا الله…..
جلست بعد أن رحّب بي وبغيري ،وهو يقف شامخاً بجانب مكتبه الفخم ،بذوقه المعروف وابتسامته الذكيّة اللطيفة وشعره المُسرّح المُثبّت بمادّة لمّاعة، وهو يرتدي لباساً أنيقاً ميّزتْه ربطة العنق الملوّنة الزاهية، وكانت تفوح منه رائحة العطر الباريسيّ ….
كان في مجلسه بضعة رجال تبدو عليهم الرّفاهية من لباسهم الجديد وربطات أعناقهم المُرتّبة وحديثهم وضحكاتهم المدروسة…
وكان بينهم شابّ في عقده الثلاثين يجترّ علكةً يظهر لونها الأخضر وهو يرتدي قميصاً أنيقاً فتح زرّين من أزراره وظهر سنسال ذهبيّ ناعم يتدلّى على شعر صدره الأسود الفاحم….
وقد علمت من حديثه معهم أنّه صاحب مطعم فخم وسط المدينة وقد جاء ليوجّه لهذا المسؤول دعوة للغداء في مطعمه الجديد…..
وبعد أن عرض دعوته بتصنّع وتكلّف غارقين بالمجاملة قال له المسؤول ممازحاً وبصوت مرتفع :
– إي شو ناوي تغدينا اليوم ياترى ؟!
فردّ صاحب المطعم بابتسامة مصنوعة:
– يلّي بتريدوه سيادتكم…. لكن أنا متخصّص أكتر بطبخ برغل بحمص على لحم طير الحبش…جربوه حضرتكم اليوم وإن شاء الله يعجبكم….
ثمّ دار نقاش وحوار لنصف ساعة تقريباً بين المسؤول ومن حضر مجلسه ،فمنهم من يقول إنّ البرغل مع لحم طير الحبش أطيب وأدسم، ومنهم من يقول إنّ البرغل مع لحم الدّيك البلدي ألذّ وأشهى….
والمشكلة أنّني أنا الموظّف من الفئة الرّابعة البحّار المسكين الطّفران حُشِرت معهم في هذا النقّاش الذي لاعلاقة لي به ، وأجبرتُ على إعطاء وجهة نظري في الموضوع الغذائيّ علماً بأنّني والله لم أذق في حياتي طعم لحم الحبش وأقرف من شكله ولونه منذ صغري، فقد خفت منه مرّة وأنا طفل حينما نقر طائر منه جسمي وجعل الدّم يذرف منه….
لكنّ المسؤول الأنيق كان يوجّه لي بكلّ تهذيب ومجاملة جزءاً من نظراته الباسمة و أسئلته عن هذا الطّعام الذي يُدعَى لتناوله من قبل هذا الشّاب الطّبّاخ…
وقد نسي اوتناسى هذا المسؤول المحترم والله أعلم أن يسألني ماهو طلبي وما غرض زيارتي له…..!!
وحينما كنت أحاول أن أعرض قضيتي الوظيفيّة والظّلم الذي لحق بي في المرفأ على حضرته كان يقاطعني أو يسبقني بسؤال لي وسؤال لهذا وذاك عن طاير الحبش وعن البرغل بحمّص….
وبعد أن ردّ حضرته مُتفاجئاً وهو ينفخ لمسافة متر دخان لفافة التّبغ الأجنبيّ على مكالمة هاتفيّة نهض واقفاً و أعتذر منّا نحن الزائرين في مكتبه لأنّه سيغادر المكتب مضطرّاً ليعقد اجتماعاً مهمّاً في مكان ما…..
بعد دقائق غادرت أنا مكتبه عائداً إلى مديريّة الاستثمار التي أرتاح في مكتب من مكاتبها وأنا أحلم بمستقبل زاهر أُبحِر فيه بمهارة…..
وكنت فرحاً راضياً مُعتزّاً بزيارتي التّاريخيّة تلك بعد أن عرفت بأنّ البرغل بحمّص أشهى وألذّ وأكثر فائدةً للصحّة إذا طُبِخ مع لحم الحبش، وبعد أن عرفت بأنّ مدينتنا والحمد لله فيها مطاعم متخصّصة بتقديم وجبات البرغل بحمّص مع لحم الحبش.
بقلم المنتجب علي سلامي
قد تكون صورة لـ ‏‏شخص واحد‏ و‏نص‏‏

أعجبني

 

تعليق

٠ تعليق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى