أخبار محلية

الرئيس السيسى .. أعاد إحياء اكبر مشروع زراعى بتوشكى بعد توقف دام 24 عاما

الرئيس السيسى .. أعاد إحياء اكبر مشروع زراعى بتوشكى بعد توقف دام 24 عاما

حماده مبارك

أكثر من أربعة وعشرين عامًا مرت على خبر الإعلان عن أكبر مشروع زراعى قومى فى منطقة توشكي، وتحديدًا فى عام 1997 حينما أعلنت الحكومة المصرية التى كان يترأسها الراحل الدكتور كمال الجنزورى رئيس الوزراء الأسبق آنذاك، عن بدء إجراءات تنفيذ أكبر حدث زراعى ضخم لاستصلاح واستزراع قرابة الـ 500 ألف فدان حول منخفضات توشكي، وذلك للاستفادة من كميات المياه التى خلفها السد العالى بالمفيض، بالقرب من مدينة أبوسمبل جنوب محافظة أسوان، على أن تبدأ الحكومة إجراءات البدء فى تنفيذ البنية التحية للمشروع العملاق، والعمل على إنهاء أعمال التعاقد مع الشركات المتخصصة والاستثمارية بالقطاع الخاص والتابعة للدولة لإدارة وتنفيذ المشروع،سواء الشركات المساهمة المصرية أو الأجنبية.

ووفقًا لما رصدته التقارير الخاصة بموقف المشروع آنذاك، فقد تم تخصيص مساحة كبيرة لصالح إحدى الشركات التنموية التابعة لأحد رجال الأعمال العرب وقتها، وذلك لإداراتها والبدء فى زراعتها والاستثمار عليها لصالح هذه الشركة، وقد صدرت وقتها التقارير البحثية لتؤكد أن ما يمكن زراعته بهذه المنطقة فقط لا يتعدى الـ5% من إجمالى المساحة المذكورة، وذلك بسبب العديد من التحديات التى تواجه المساحة رغم كميات المياه المتوفرة بها، على رأسها وجود حائط جبلى جرانيتى بالمساحة بطول 9 كيلو مترات، وهو ما يعيق التوسع فى مساحة المشروع وزراعة المساحة المذكورة، إضافة إلى طبيعة التربة الصعبة التى تعيق زراعة المحاصيل فى بعض المناطق، وارتفاع ملوحة التربة بالمنطقة، وزيادة تكلفة البنية التحتية مقارنة بالعائد الاقتصادى من المشروع.

التاريخ لا يكذب.. ففى مطلع عام 2003 تم الإعلان عن ضخ مياه ترعة الشيخ زايد لتكون المصدر الرئيسى لرى أراضى المشروع العملاق، وقد تم الإعلان عن ذلك وقتها بضخ المياه لأراضى توشكي، موزعة على أربعة أفرع، والتى تعتمد على مياه المفيض التى يخلفها السد العالى جراء زيادة الفيضان الموسمي، وبالتالى كان من الضرورى أن تجد الحكومة المصرية بدائل سريعة لتنفيذ المشروع الذى تم إعلانه للرأى العام، وسرعة القضاء على التحديات التى رصدتها هذه التقارير، إيمانًا بأهميته الكبيرة فى تحقيق التنمية المستدامة، وزيادة إنتاجية الحاصلات الزراعية فى مصر، بما يساهم فى سد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.. لكن ظلت هذه التحديات الكبيرة حائلًا أمام تنفيذ المشروع، وفشلت كل المحاولات فى البداية لدخول مرحلة الجدية والتنفيذ، مما أدى إلى توقف عمل المستثمرين بهذا المكان، بل وانسحاب البعض منهم قبل إتمام مراحل الاستثمار بهذه المنطقة.

«البرلمان ينتفض»
البرلمان وقتها انتفض.. وبدأت قوى المعارضة إطلاق سهام الاتهامات للحكومة المصرية فى عهد الرئيس الراحل محمد حسنى مبارك بإهدار المال العام، وبدأت طلبات الإحاطة والاستجوابات توجه ضد الوزراء المعنيين بتنفيذ المشروع، ولرئيس الوزراء أيضًا فى هذا التوقيت، بعدما أعلنت الحكومة وقتها أن التكلفة المبدئية لأعمال البنية التحتية بالمشروع تعدت المليارات، موزعة بمعدل مليون و750 ألف جنيه للفدان الواحد لإجمالى 4 آلاف فدان فقط صالحة للزراعة من إجمالى مساحة 540 ألف فدان تم الإعلان عن زراعتها آنذاك وفقًا لما رصدته تقارير الباحثين فى هذا الشأن، وهو ما يعنى أن إهدار مليارات الجنيهات فى مساحة صغيرة جدًا، وهو ما ساهم فى تأجيج الرأى العام وقتها لعدم إعلان الحقائق كاملة للناس حول المشروع، وكشف أسباب وتفاصيل توقف العمل بهذا المشروع القومى العملاق.

بعد مرور سنوات، وتحديدًا فى مطلع 2009، بدأت الدولة تعيد الحديث عن إحياء خطة تنمية مشروع توشكى العملاق، وعقد وقتها الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك العديد من الاجتماعات بالوزراء وقيادات المؤسسات السيادية للاطلاع على الموقف الفعلى للمشروع، بعد انسحاب عدد من الشركات السعودية والإماراتية والشركة المساهمة المصرية من استكمال تنفيذ استثماراتهم بأراضى المشروع، إلى أن جاء خبر إعلان الحكومة المصرية فى مطلع 2010 ممثلة فى وزارة الري، عن الانتهاء من إنشاء مشروع «السحارة» الذى يدفع المياه من الترعة الرئيسية إلى فرعى 3، و4، وهنا بدأت أعمال التنفيذ تتواصل من قبل العديد من الشركات الاستثمارية الكبرى.. لكن ماذا حدث بعد ذلك؟.. ولماذا توقف المشروع لهذه السنوات الطويلة؟..

الدكتور محمد نصر علام وزير الرى الأسبق فى عهد نظام الرئيس الراحل مبارك كشف لـ«الأهرام التعاوني» تفاصيل خاصة عن المشروع بعد توقف دام لسنوات.. حيث أكد أنه منذ توليه وزارة الرى فى أوائل عام 2009 كلفه الرئيس مبارك بعمل «تقرير مفصل» يتضمن وضع إستراتيجيته لحل مشكلة صعوبة وصول المياه إلى فرعى 3، و4 الممتدين من ترعة الشيخ زايد المسئولة عن تغذية أراضى مشروع توشكي، والتى قامت إحدى الشركات الإماراتية فى تنفيذ أعماله بعد حصولها على موافقة للاستثمار على مساحة 100 ألف فدان بأراض المشروع، وقد واجهت الشركة صعوبة وصول المياه للمساحة المذكورة بسبب وجود منخفض يفصل بين فرعى 1،2 من ناحية و3،4 من ناحية أخرى الممتدين من الترعة الرئيسية، وقد بدأت وزارة الرى وقتها إعداد تقرير مفصل بمشكلات توقف المشروع منذ سنوات تمهيدًا لعرضه إلى القيادة السياسية وقتها.

عائق «المنخفض»
التقرير الذى كلف به الرئيس مبارك وزير الرى فى 2009 – وفقًا لما أكده الدكتور علام – قد تضمن عرضًا وافيًا بمشكلات وصول المياه إلى أراضى فرع 3 وفرع 4 وذلك بسبب وجود «منخفض» يفصل بين الأفرع الأربعة، إضافة إلى وجود حائط جرانيتى بفرع 3، يحيل من امتداد المياه لأراضى هذا الفرع، كما رصد التقرير صعوبة زراعة بعد المناطق بسبب طبيعة التربة الصعبة التى لا تتوافق مكوناتها مع التراكيب المحصولية التى أثبتت دراسات الجدوى تحقيق العائد من المشروع، إضافة إلى رصد دقيق لأعمال البنية التحتية التى تم إنشاؤها سواء من الشركة المساهمة المصرية، أو الشركات التابعة لرجال الأعمال العرب لإقامة المشروع، كما تضمن التقرير نقاط الإهمال التى تمت بالمشروع، من تخطيط عشوائى للأراضي، ودراسات غير وافية قدمت لقيادة الدولة وقتها.

«التقرير أيضًا رصد موقف المشروع العملاق على المستوى العالمي، ونظرة دول العالم لموقفه الحالي، خاصة البلاد التى تشارك باستثمارات بالمشروع كالشركات السعودية والإماراتية، إضافة إلى آلية توزيع كميات المياه على أراضى المشروع بما يتوافق مع المساحات المستهدفة للزراعة»، استكمل علام كلامه.. قائلًا: إن المشروع بدأ بتخصيص محطة رفع من بحيرة ناصر إلى منخفض توشكي، إلى الترعة المكشوفة التى تم تقسيمها إلى 4 أفرع، وقد تم إنفاق وقتها ما يقرب من 15 مليار جنيه لأعمال التخطيط المبدئية للمشروع، وتتضمن هذه الأعمال مواسير الحمل المكشوفة وإنشاء الترع، ومواسير المياه تحت الأرض، وقد بدأت وقتها شركة المملكة للتنمية الزراعية المملوكة لرجل الأعمال الوليد ابن طلال زراعة 5 آلاف فدان من إجمالى 100 ألف فدان المساحة التى تم تخصيصها لصالح الشركة كمرحلة أولى.

«تقارير مضللة»
وذكر الدكتور محمد نصر علام، أن شركة إماراتية أنفقت قرابة 100 مليار دولار وقتها لتنفيذ أعمال فرع 4 لتوصيل المياه لـ 100 ألف فدان تم تخصيصها لها بهذا المكان، إلا أن وجود المنخفض حال من استكمال هذه الاستثمارات بمشروع توشكى رغم حجم الإنفاق الكبير على المشروع، وهو ما جعل القيادة السياسية وقتها تتدخل لإيجاد حلول سريعة والتى حيث تم التكليف بإنشاء السحارة فى 2010، مضيفًا أن التقارير التى كانت تقدم إلى الحكومة المصرية بموقف المشروع كانت مضللة، رغم جدوى هذا المشروع الكبير الذى يمكن أن يكون نقلة كبيرة للاقتصاد الوطنى للبلاد، ويحقق المعادلة الصعبة فى سد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، إضافة إلى دوره فى خلق وتوفير الآلاف من فرص العمل للشباب خاصة من أبناء الصعيد، وكذالك خلق مجتمعات تنموية وصناعية بمناطق الصحراء الغربية، والتوسع فى المناطق اللوجيستية بالمنطقة، لتقليل نفقات نقل وتخزين الحاصلات.

«قبل عام 2009.. بدأت الشركات المعنية بأعمال تنفيذ مراحل المشروع فسخ العقود مع جهات الولاية، وذلك بسبب الطبيعة الصعبة لأراضى المشروع».. استكمل وزير الرى الأسبق كلامه مؤكدًا، أن الدولة كانت عازمة على استكمال المشروع بعد 2010 خاصة بعد الانتهاء من أعمال مشروع السحارة خلال 6 أشهر الذى حل أزمة المياه لفرع 4، لكن هناك تقارير مضللة وصلت للرئيس حسنى مبارك وقتها بموقف المشروع عرقلت من مواصلته واستكماله منذ سنوات، رغم أن القيادة السياسية وقتها كانت حريصة على قراءة كل التقارير المفصلة التى ترصد هذا الموقف حيث كان الرئيس مبارك يقوم بعرضها على الأجهزة السيادية لدراسة موقف هذه المشروعات على الأمن القومى للبلاد، وأهميتها فى دعم العلاقات بين الدول، لكن أحدث ثورة يناير فى 2011 وحالة الفوضى التى شهدتها مصر لمدة 3 سنوات تقريبًا قبل تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى إدارة شئون البلاد فى 2014 أحالت هى أيضًا من استكمال أعمال المشروع.

وقت التفكير فى إنشاء مشروع عملاق وقومى كمشروع توشكى كان الهدف منه هو سد الفجوة الكبيرة التى قدرت وقتها بنحو 10 مليارات دولار بين الإنتاج والاستهلاك، ودعم الاقتصاد الوطنى للبلاد، وهو إستراتيجية تبنتها الدولة المصرية فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى للتوسع فى المساحات الخضراء، وتبنى حزمة من المشروعات الزراعية القومية فى مصر خلال السبع سنوات الأخيرة، منها مشروع مستقبل مصر الزراعى على محور الضبعة والمستهدف منه زراعة 2 مليون فدان، ومشروع الـ 100 ألف فدان صوبة زراعية موزعة على عدة مناطق، ومشروع استزراع واستصلاح الـ 1.5 مليون فدان، ومشروع 500 ألف فدان بتوشكى، وغيرها من المشروعات الزراعية ذات الأهمية الكبيرة لمصر، موضحًا أن إستراتيجية الدولة تستهدف 3.4 مليون فدان تضاف إلى الرقعة الزراعية فى مصر، خاصة مع تراجع المساحات بأراضى الوادى والدلتا.

وأوضح وزير الرى الأسبق، أن «توشكي» مشروع يربط نهر النيل بمناطق الواحات بالصحراء الغربية، وقد كانت ترعة الشيخ زايد هى السبيل الوحيد للامتداد والوصل إلى هذه المناطق وإعادة إحيائها، وإتاحة الفرصة أمام القطاع الخاص والاستثمارى لخلق مجتمعات عمرانية وزراعية بتلك المناطق، كما يفتح المجال أمام الشركات الكبرى العاملة فى القطاع الزراعى بتقنيات عالمية وحديثة، وقد كانت الشركة السعودية بدأت هذه الخطوة بالبدء فى الزراعة الحديثة بالمنطقة، بعد أن استعانت بإحدى الشركات الأمريكية لإجراءات أعمال تحاليل التربة المحصولية، مشيرًا أن الحجر الجرانيتى الواقع بالفرع الثالث لمياه ترعة الشيخ زايد، كان سبب قرار الرئيس مبارك وقتها بإلغائه، إلى أن جاء الرئيس عبد الفتاح السيسى الذى وجه بنسفه، وتحقيق الهدف منه.

وزير الزراعة السيد القصير تحدث خلال فعاليات افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسى لعدد من المشروعات القومية بالصعيد، عن الأهمية الكبيرة الذى يلعبها مشروع توشكى العملاق، باعتباره من أهم المشروعات التى يجرى تنفيذها حاليا فى منطقة الجنوب، ويوجد به أكبر مزرعة تمور فى الشرق الأوسط بهذا الحجم من حيث عدد النخيل ومن أجود أنواع التمور مثل المجدول والبارحى إلى جانب المساحات المزروعة بالمحاصيل الإستيراتيجية مثل القمح والخضر والموالح والمانجو، وهو ما يؤكد تحقيق الاستفادة التى كانت تسعى الدولة المصرية تحقيقها منذ عشرات السنين، مشيرًا أن نجاح زراعة العديد من المحاصيل الزراعية، وفتح نوافذ استثمارية جديدة بالقطاع الزراعى على أراضى توشكى، أكد بما لا يدع مجالا للشك أن ما أثير فى فترة من الزمن حول عدم كفاءة التربة وطبيعة المكان لإنجاح الاستثمار الزراعي، بل نفى كل الأقاويل التى روجت لفشل المشروع خاصة بعدما أثبتت التجارب أن الإنتاجية فى توشكى عالية وتبشر بالخير، بل ويمكنها أن تكون قاطرة حقيقية للتنمية الزراعية والاقتصادية فى مصر، وزيادة الناتج المحلى من الحاصلات الزراعية، وكذلك سد الفجوة الكبيرة التى تعانى منها مصر من الإنتاج الزراعي.

وأضاف، أن ما يدعو للتفاؤل أن طرق الزراعة المستخدمة بمشروع توشكى العملاق تتم بطرق حديثة وتقنيات معمول بها عالميا للارتقاء بالقطاع الزراعي، وتحقيق أعلى إنتاجية من المحاصيل، وقد كانت مساحات التمور التى تم زراعتها بالمنطقة خير نموذج لاستخدام طرق الرى الحديثة، وهو ما يؤكد أن مشروع توشكى يحقق الإرادة والثقة وقدرة الدولة على إدارة المشروعات الكبرى، وتحقيق النجاح وعلاج السلبيات وتصحيح مسار المشروعات التى كانت متعثرة، إضافة أن مشروع توشكى من المشروعات الزراعية الواعدة التى ستفتح المجال الفترة المقبلة إلى التوسع فى المشروعات الخاصة بالقطاع الزراعى كالثروة الحيوانية، ومشروعات التصنيع الزراعي، وإنتاج التقاوي.

«هدف الدولة من إقامة استكمال مشروع توشكى العملاق التوسع فى خلق المجتمعات المتكاملة الجديدة، خاصة فى منطقة الصعيد التى عاشت محرومة لعقود طويلة من الزمن».. وزير الزراعة قال خلال اللقاء إن الدولة ممثلة فى وزارة الزراعة استعدت بإنشاء محطة بحوث تابعة لمركز بحوث الصحراء وأخرى تابعة لمركز البحوث الزراعية وثالثة للميكنة لإجراء الدراسات المطلوبة حول المشروع، وعمل التحاليل المطلوبة للتربة بالمنطقة، وكذلك تحديد الأصناف والتراكيب المحصولية المطلوبة للمساحات، وكميات المياه المحددة للمحاصيل، إضافة إلى توفير الآلات والمعدات المطلوبة للزراعة من آلات تسوية وحرث وحصاد وماكينات رى حديث.

لكن كيف توقف المشروع الذى بدأ فى 1997 ثم توقف على مدار 24 سنة؟.. الدكتور محمد عبد العاطى وزير الرى والموارد المائي، قال إن بداية التفكير فى تنفيذ مشروع توشكى كان بهدف الاستثمار، فكان التخطيط لهذا المشروع العملاق هو البدء فى إنشاء ترعة رئيسية لضخ المياه إلى المشروع ثم البدء فى جلب الاستثمارات لهذه المنطقة، وبالفعل بدأ عدد من المستثمرين وقتها فى التقدم للاستثمار بهذه المنطقة، لكن التفكير وقتها كان يتجه إلى كيفية جنى ثمار الاستثمار فى وقت سريع جدًا، وبالفعل تقدم 3 شركات وتم تخصيص لكل منها مساحات تقدر بنحو 100 ألف فدان لكل شركة بهدف الاستثمار، ثم بدء كل منهم فى تنفيذ أعمال مساحات محددة تمهيدًا لزراعتها والاستثمار فيها، لكن بعد فترة انسحب بعض المستثمرين، وسحبت الدولة الأراضى من البعض الآخر غير الجادين فى الاستثمار الفعلية.

«الدولة أنفقت منذ 1997 مليارات الجنيهات على مشروع توشكى العملاق، ومن هنا كان تفكير القيادة السياسية ممثلة فى الرئيس عبد الفتاح السيسى إحياء هذا المشروع والاستفادة من هذه المبالغ الكبيرة التى تم إنفاقها على المشروع»..استكمل الدكتور عبد العاطي، مؤكدًا أن الحكومة المصرية والوزارات المعنية العمل على مدار الفترة السابقة لبدء تشغيل وإشغال أراضى المشروع، وهذا لا يعنى أن الدولة وقتها لم تكن جادة فى تشغيل المشروع، لكن النظرة أو الإستراتيجية التى وضعتها الدولة وقتها كانت تهدف إلى عائد استثمارى وأجنبى كبير مقارنة بالدولة فى الوقت الحالى التى تنظر إلى هذا المشروع إلى انه تنمية مستدامة لمنطقة جنوب الوادي، وخلق المزيد من فرص العمل إضافة إلى اعتباره مشروعا قوميا يواجه الزيادة السكانية التى تشهدها مصر، ويسد الفجوة الكبيرة بين الإنتاج والاستهلاك.

«أبعاد إستراتيجية»
«القوات المسلحة ممثلة فى الهيئة الهندسية بذلت جهدًا كبيرًا لإنجاز مشروع توشكى العملاق بالتعاون مع وزارتى الرى والموارد المائية المسئولة عن ملف توفير المياه، والزراعة المعنية بتحديد نوعية الأراضى والتراكيب المحصولية المناسبة للمنطقة».. الدكتور عبد العاطى تحدث عن تحديات كبيرة واجهت المشروع كان على رأسها الانتهاء من تنفيذ أعمال البنية التحية وإنشاء شبكة الكهرباء وسط هذا المكان، والحقيقة لم يكن يتخيل أحد أن المشروع سيخرج للنور بهذه السرعة وهذا العام بالتحديد، خاصة مع الانتهاء من زراعة هذه المساحة التى قدرت بـ 85 ألف فدان خلال 3 أشهر فقط، مضيفًا أن هناك أبعاد إستراتيجية لمشروع توشكى العملاق فى توفير الحاصلات الزراعية وسد الفجوة من الاستهلاك، وتحقيق الاكتفاء الذاتى من الحاصلات الهامة.

على الجانب الآخر، الدكتور محمد صديق خبير الاقتصاد الزراعى قال إن مشروع توشكى العملاق هو مشروع إستراتيجى لتنمية مصر، وهو أمن غذائى مرتبط بالأمن القومي، وهنا لا بد وأن نعترف بأن مصر تشهد خلال هذه الفترة نهضة زراعية غير مسبوقة فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبالتالى فقد كانت الإرادة واضحة فى استكمال مشروع توشكى بعد توقف دام لسنوات طويلة، وهنا تجد الإشارة إلى أن الإرادة كانت واضحة فى إصرار الأجهزة المنفذة للمشروع على نسف ما يقرب من 9 كيلو متر جرانيت بمفرقعات بلغت ما يقرب من 3 مليون طن، وهو ما يؤكد أن عملية إنجاز المشروعات يتطلب وجود إرادة حقيقية لتحقيق التنمية، مضيفًا أن الحكومة المصرية تخطط إلى التوسع فى المساحات الخضراء بمنطقة توشكى، وهو نقلة حقيقية نحو تحقيق التنمية المستدامة، والنهوض بإنتاجية المحاصيل الزراعية.

وأضاف إلى أن القطاع الخاص ممثل فى شركات الحفر والتبطين وأعمال المقاولات كان لها دورًا كبيرًا بالتوازى مع أجهزة الدولة لإنجاز المهمة، وخروج مشروع توشكى إلى النور، وهو ما يؤكد توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى المستمرة بأهمية إشراك القطاع الخاص بشكل مستمر فى تنفيذ المشروعات التى تنفذها الدولة المصرية، إضافة إلى نجاح هذه الشركات بالتعاون مع الهيئة الهندسية للقوات المسلحة للخلاص من الحجر الجرانيتي، الذى يساهم فى إحياء ما يقرب من 250 ألف فدان سيتم زراعتها الفترة المقبلة بعد وصول المياه إليها من الفرع الرابع من الترعة الرئيسية، مشيرًا أن جميع شركات القطاع الخاص التى ساهمت فى خروج مشروع توشكى للنور شركات مصرية بنسبة 100% وهو ما يؤكد حرص الدولة المصرية على خلق فرص عمل جديدة لهذا القطاع الهام وتحقيق مبدأ الرواج بكافة القطاعات.

وأشار خبير الاقتصاد الزراعى أن الدولة تسعى إلى تحقيق أعلى استفادة من مشروع توشكى العملاق، باعتباره مساحة كبيرة تضاف إلى الرقعة الزراعية فى مصر تقترب من نصف مليون فدان، وبالتالى تأتى أهميتها الكبيرة كمشروع زراعى واستثمارى كبير يحقق التنمية المستدامة فى مصر فى عدة نقاط، أهمها، تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة باعتبارها ثروة قومية كبيرة فى مصر، دعم فاتورة تصدير الحاصلات الزراعية إلى الأسواق العالمية خاصة فى ظل التقدم الكبير الذى حققته القيادة السياسية للنهوض بملف تصدير الحاصلات الزراعية للخارج، بما يحقق التبادل التجارى بين الدول وقيمة مضافة بالنسبة للمنتج المصري، إضافة إلى التوسع فى المشروعات الزراعية النموذجية المتكاملة وذلك بخلق مجتمعات عمرانية بالمناطق الجديدة، خاصة مع التكدس الكبير الذى يشهده شريط الوادى والدلتا.

وأوضح أن التقارير الحكومية الأخيرة أثبت جدية الاستثمار فى هذا المشروع القومي، وتحقيق العائد الكبير منه، خاصة وأن الدولة المصرية نجحت فى زراعة 85 ألف فدان حتى الآن، من إجمالى 505 ألف فدان مستهدف الفترة الكاملة لتكون مساحة زراعية نموذجية متكاملة، كما تجرى الأجهزة المنفذة للمشروع الآن تنفيذ أعمال استصلاح 420 ألف فدان، كما إنه من المستهدف خلال الفترة المقبلة نجاح زراعة 1.35 مليون نخلة على مساحة 21 ألف فدان، من إجمالى 2.3 مليون نخلة على إجمالى مساحة 37 ألف فدان من المستهدف، كما استعدت الحكومة بمنظومة رى متكاملة وحديثة لأراضى المشروع تتماشى مع التحديات المائية التى تواجهها البلاد، حيث تم توفير ما يقرب من 1103 جهاز رى محوري، و1276 جهاز رى محورى آخر قيد التركيب.

«دراسة بحثية»
تحدثنا مع الدكتور أحمد الخطيب، أستاذ السياسات الزراعية والمشروعات بمعهد بحوث الاقتصادى الزراعي، ورئيس الفريق البحثى المكلف بإجراء الدراسة البحثية عن مشروع توشكى قبل أحداث ثورة يناير، والذى قال أنه كُلف وقتها بعمل دراسة بحثية وافية بأراضى مشروع توشكى العملاق وتحديدا على المساحة المخصصة لشركة رجال الأعمال السعودى الوليد بن طلال، تتضمن إجراء التحاليل المطلوبة للتربة بأراضي، ودراسة كميات المياه المحددة لزراعة الأراضي، وقياس ملوحة التربة بالمنطقة، وتحديد نوعية المحاصيل الزراعية القابلة للزراعة بهذه المنطقة، وقد كان النظر للمشروع بمنظور اقتصادى يغطى تكاليف البنية التحتية وإقامة المشروعات الزراعية به، كما تضمنت الزراعة اعتبار المشروع زراعى صناعى متكامل، يهدف إلى التوسع بمشروعات التصنيع الزراعي، لتحقيق أعلى استفادة من المشروع، وتقليل تكاليف النقل والفاقد ما بعد الحصاد.

«عرضت الدراسة على مجلس الوزراء وقتها، وقد رصدت طبيعة بيع المساحات المحددة للوليد بن طلال والمخصصة من الراحل الدكتور يوسف والى وزير الزراعة الأسبق لرجل الأعمال، بسعر 100 جنيه للفدان لإجمالى 5 أحواض، كما رصدت الدراسة طبيعة التربة الحجرية فى بعض المناطق وتوصيتها بضرورة إنشاء صرف مغطى تحت وحدات «البيفوت» المخصصة للرى المطور بالمشروع، وقد جاءت وقتها ثورة يناير وتولى الدكتور أيمن أبو حديد منصب وزير الزراعة وبدأنا دراسة استغلال أراضى مشروع توشكى العملاق، بما يحقق الأبعاد الإستراتيجية والاقتصادية، فبدأنا والفريق البحثى المشارك فى إعداد الدراسة والمشكل من أساتذة من مركز البحوث الزراعية وكليات الزراعة بالجامعات المصرية، فى الاستعانة بمحطة بحوث توشكى التى كان يرأسها الدكتور على نجيب إسماعيل لمعرفة آخر الأبحاث التى أجرتها المحطة بأراضى المشروع والاستعانة بها فى الدراسة.

«اكتشفنا أن أراضى المشروع مكونة إلى أراضى درجة أولى قابلة للزراعة بشكل سليم، وأراضى درجة ثانية تصلح لنباتات معينة، وأراضى درجة ثالثة تحتاج إلى بعض أعمال التسوية والتجهيز، وأراضى درجة رابعة تحتاج إلى تكاليف كبيرة لزراعتها وهى خطوة غير مجدية إطلاقًا، وأراضى درجة خامسة لا تصلح للزراعة نهائيًا».. استكمل الدكتور الخطيب كلامه قائلًا: جميع معطيات الدراسة كانت تؤكد أن مشروع توشكى هو مشروع زراعى صناعى متكامل، كما تضمنت الدراسة أن رصدت مرتفعات ومنخفضات بأراضى المشروع، وأوصت الدراسة بضرورة التوسع فى المحاصيل الزيتية باعتبارها من المحاصيل التى تتحمل ملوحة التربة وتصلح بأراضى مشروع توشكي، خاصة مع زيادة استهلاك مصر من منتجات الزيوت، وزيادة فاتورة استيراد المنتج من الخارج.

التنمية المستدامة»
الجمهورية الجديدة فى ظل القيادة السياسية الجديدة ممثلة فى الرئيس عبد الفتاح السيسي، فكرت فى المشروع بأبعاد إستراتيجية وقومية، وبالتالى توافرت الإرادة الحقيقية فى مواصلة أعمال المشروع، حيث بدأت الدولة المصرية الفترة الأخيرة فى استكمال أعمال المشروع وزراعة مساحات كبيرة من الأراضي، وتحقيق التنمية المستدامة بمنطقة الصحراء الغربية، باعتبارها منطقة واعدة يمكن أن تكون نواة حقيقية لتحقيق طفرة كبيرة فى الاستثمار الزراعي، ودعم إستراتيجية الدولة للتوسع فى المشروعات الزراعية المتكاملة مستقبلًا، كما حدث فى منطقة شمال سيناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى