الدين والحياة

لم اخترت أن تكون الطائر الضعيف…بقلم محمد أبوالنصر

لم اخترت أن تكون الطائر الضعيف.
الحث على العمل ، والكسب ، والمشي في الأرض لكسب الرزق واجب .
قال تعالى : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) الملك/15 ،
قال ابن عباس: مناكبها : أطرافها وفجاجها ونواحيها.
ابن كثير (8/ 180)
وقال تعالى : ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) الجمعة/10 .
وعَنْ الْمِقْدَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ) .
رواه البخاري ( 1966 ) .
وعَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ ) .
رواه البخاري ( 1402 ) .
هذا هو الأصل لكن تعال لأنقلك هذه النقلة واستمتع معي بهذة المناظرة
إختلف الإمامان الجليلان
مالك و الشافعي رضي الله عنهما ،
فالإمام مالك يقول ::
أن الرزق بلا سبب بل لمجرد التوكل الصحيح
على الله يرزق الانسان ، مستنداً للحديث الشريف الذي رواه أحمد (370) ، والترمذي (2344) ، وابن ماجه (4164) عنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ ، تَغْدُو خِمَاصًا ، وَتَرُوحُ بِطَانًا “،
أما إمامنا الجليل الشافعي ، فيخالفه في ذلك .
فيقول لولا غدوها و رواحها ما رُزقت ،
أي إنه لا بد من السعي .
و كل على رأيه .
فإمامنا مالك وقف عند ( لرزقكم كما يرزق الطير )
و تلميذه الشافعي قال لولا الغدو و الرواح لما رزقت .
فأراد التلميذ أن يثبت لأستاذه صحة قوله ،
فخرج من عنده مهموما يفكر ، فوجد رجلا عجوزا
يحمل كيسا من البلح و هو ثقيل فقال له :
أحمله عنك يا عماه و حمله عنه ،
فلما وصل إلى بيت الرجل ،
أعطاه الرجل بضع تمرات إستحسانا منه لما فعله معه ،
هنا ثارت نفس الشافعي و قال : الآن أثبت ما أقول ،
فلولا أني حملته عنه ما أعطاني و أسرع إلى أستاذه مالك
و معه التمرات و وضعها بين يديه و حكى له ما جرى
و هنا إبتسم الإمام الرائع مالك و أخذ تمرة و وضعها في فيه
و قال له : و أنت سقت إلي رزقي دونما تعب مني .
فالإمامان الجليلان استنبطا من نفس الحديث حكمين مختلفين تماما و هذا من سعة رحمة الله بالناس .
هي ليست دعوة للتواكل ، لذا سألحقها بقصة جميلة
عن إبراهيم بن أدهم .
فيحكى أنه كان في سفر له
وكان تاجرا كبيرا
و في الطريق وجد طائرا قد كسر جناحه ،
فأوق القافلة و قال : و الله لأنظرن من يأتي له بطعامه ،
أم أنه سيموت فوقف مليا ، فاذا بطائر يأتي و يضع فمه
في فم الطائر المريض ويطعمه .
هنا قرر إبراهيم أن يترك كل تجارته و يجلس متعبدا بعد
ما رأى من كرم الله و رزقه ، فسمع الشبلي بهذا فجاءه
و قال : ماذا حدث لتترك تجارتك
و تجلس في بيتك هكذا ؟
فقص عليه ما كان من أمر الطائر
فقال الشبلي قولته الخالدة : يا إبراهيم ،
لم اخترت أن تكون الطائر الضعيف و لم تختر
أن تكون من يطعمه ؟
و لعله يقول في نفسه حديث
الرسول صلى الله عليه و سلم
( المؤمن القوي خير و أحب إلى الله من المؤمن الضعيف ) .
يا الله على هذا الفهم الرائع والاستيعاب للرأي الآخر
إذا كان له مسوغ شرعي .
إن ديننا يأمرنا بالسعي ويمقت الفقر قال تعالى : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) الملك/ 15 .
قال ابن كثير رحمه الله :
أي : فسافروا حيث شئتم من أقطارها ، وترددوا في أقاليمها ، وأرجائها ، في أنواع المكاسب ، والتجارات .
“تفسير ابن كثير” (8/179) .
وكثير من الآيات والأحاديث جاءت بالحث على الكسب ، والضرب في الأرض , وكل ذلك من أجل تحصيل المال ، ليس لمجرد جمعه ، بل ليكف به وجهه ، ويصل به رحمه ، ويستعين به على طاعة ربِّه .
قال ابن القيم رحمه الله – مبيِّناً فضل المال وأهميته – :
وقد سمَّى سبحانه المال خيراً في غير موضع من كتابه ، كقوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ) البقرة/ 180 ، وقوله (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) العاديات/ 8 … وأعلم الله سبحانه أنه جعل المال قِواماً للأنفس ، وأمر بحفظه ، ونهى أن يؤتى السفهاء من النساء والأولاد وغيرهم ، ومدحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ) – رواه أحمد بإسناد صحيح – ، وقال سعيد بن المسيب : “لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حلِّه ، يكفُّ به وجهه عن الناس , ويصل به رحمه , ويعطي حقه”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى