أدب وثقافة

حين سقطت دمشق أمام تيمور

التاريخ من وراء الستار

حين سقطت دمشق أمام تيمور

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

حين سقطت دمشق أمام تيمور

المدينة التي فاوضت الفاتح ، ثم دفعت ثمن الهزيمة

في المقال السابق، تركنا تيمور بعد أن عبر بلاد الشام من الشرق.

سقطت حلب.

ثم حماة.

ثم حمص.

ووصلت الأخبار إلى دمشق قبل أن يصل جيشه إليها.

وفي القاهرة كان السلطان الناصر فرج قد خرج بجيشه لمواجهة الخطر، لكن الدولة المملوكية كانت تعيش في واحدة من أكثر لحظاتها اضطرابًا.

فالسلطان شاب.

والأمراء متنافسون.

والشام بعيدة عن مركز القرار.

أما الرجل القادم من الشرق، فلم يكن مجرد قائد يريد انتصارًا عسكريًا.

كان تيمور يريد أن يُخضع المدن قبل أن يتركها.

وكانت دمشق الآن أمام الاختبار.

مدينة عظيمة لكنها محاصرة.

وجيشها يحتاج إلى نجدة.

والنجدة التي جاءت من مصر لم تستطع أن تبقى.

ثم وقع ما لم يكن أهل دمشق يتوقعونه:

عاد السلطان فرج إلى مصر، وبقيت دمشق وحدها أمام تيمور.

عندما أصبح السور هو الأمل الأخير

كانت دمشق في ذلك الوقت واحدة من أهم مدن العالم الإسلامي.

ليست مدينة عادية في بلاد الشام.

هنا المسجد الأموي.

وهنا الأسواق الكبرى.

وهنا العلماء والفقهاء والقضاة.

وهنا الصناع الذين اشتهرت بهم المدينة.

وهنا طرق التجارة التي تربط مصر بالعراق والأناضول.

ولهذا كان سقوط دمشق يعني أكثر من خسارة عسكرية.

كان يعني سقوط مركز حضاري وتجاري كبير في يد قوة قادمة من خارج المنطقة.

وفي أواخر سنة 1400م وصل تيمور إلى أطراف دمشق، ونصب معسكره حول المدينة، بينما بدأت قواته تضيق الخناق عليها. وتشير الدراسات إلى أن حصار دمشق استمر من أواخر 1400م إلى أوائل 1401م.

كان المشهد مختلفًا عن حلب.

فهنا مدينة تعرف أنها إذا فتحت أبوابها أمام تيمور، فقد لا تكون هناك عودة إلى الحكم المملوكي بسهولة.

وإذا قاومت فهي تعرف أيضًا ما جرى في المدن التي سبقتها.

السلطان فرج يعود إلى القاهرة

كان السلطان الناصر فرج قد وصل إلى الشام على رأس جيشه.

لكن وجوده لم ينهِ الخطر.

وقعت مواجهات بين المماليك والتيموريين، ولم يتمكن الجيش المملوكي من تحقيق النتيجة التي تسمح له بمحاصرة جيش تيمور أو إجباره على الانسحاب.

ثم وصل إلى فرج خبر أخطر من أخبار المعركة.

اضطرابات داخلية في القاهرة.

وكان خصومه من الأمراء يتحركون في غيابه.

فأصبح السلطان أمام معضلة قاسية:

إن بقي في الشام، فقد يخسر عرشه في القاهرة.

وإن عاد إلى مصر، فقد يترك دمشق لمصيرها.

واختار العودة.

وهكذا انسحب السلطان فرج، وبقيت دمشق في مواجهة تيمور. وتذكر الروايات أن فرج غادر مع جزء من قواته في الوقت الذي كانت فيه المدينة لا تزال تحت الحصار.

وفي تلك اللحظة بدأ السؤال الحقيقي:

هل تستطيع دمشق أن تنجو وحدها؟

تيمور يرسل الرسائل

لم يكن تيمور يعتمد على السيف وحده.

كان يعرف قيمة الرسالة.

فقد أرسل إلى أهل دمشق يطلب الخضوع، وكانت المفاوضات جزءًا من سياسته في التعامل مع المدن التي يحاصرها.

وكان أهل دمشق يعرفون أن أمامهم جيشًا هائلًا.

لكنهم كانوا أيضًا يعرفون أن الاستسلام لا يعني بالضرورة النجاة.

فقد سقطت حلب قبلهم، وكان أهلها قد رأوا بأعينهم ماذا يحدث عندما تدخل قوات تيمور المدينة.

ومع ذلك بدأت المفاوضات.

فربما يكون التفاوض هو الطريق الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وكان من بين الذين دخلوا في هذه المفاوضات رجل لم يكن قائدًا عسكريًا، لكنه كان يحمل شيئًا نادرًا:

القدرة على فهم الدول والرجال.

اسمه:

عبد الرحمن بن خلدون.

ابن خلدون ، المؤرخ داخل المدينة المحاصرة

كان ابن خلدون قد جاء إلى دمشق مع حملة السلطان فرج.

وعندما عاد السلطان إلى مصر، بقي ابن خلدون في المدينة.

وهكذا وجد الرجل الذي كتب عن قيام الدول وسقوطها نفسه داخل مدينة تنتظر السقوط.

وكان عمره قد اقترب من السبعين.

ومع ذلك خرج من دمشق إلى معسكر تيمور في يناير 1401م، في مهمة تفاوضية. وتشير دراسة منشورة عن حياته إلى أن تيمور استدعاه في يناير 1401م، وأنه قابله خارج دمشق أثناء الحصار، وأن اللقاء ترك أثرًا مهمًا في كتابات ابن خلدون اللاحقة.

تخيل المشهد.

خلف ابن خلدون:

دمشق.

مدينة محاصرة.

وأمام عينيه:

معسكر تيمور.

وجيش يمتد خارج الأسوار.

ورجل استطاع خلال سنوات قليلة أن يغير خرائط واسعة من آسيا إلى العراق والشام.

كان ابن خلدون يعرف أنه أمام رجل خطير.

وتذكر المصادر أن ابن خلدون نفسه كان يخشى على حياته، لكنه استطاع أن يكسب ثقة تيمور وأن يتحول اللقاء إلى حوار طويل.

وهنا خرج المؤرخ من كتبه ، ودخل التاريخ بنفسه.

ماذا دار بين ابن خلدون وتيمور؟

لم يكن اللقاء مجرد طلب للرحمة.

كان ابن خلدون يعرف أنه أمام شخصية سياسية وعسكرية استثنائية.

وتحدث معه عن بلاد المغرب وأحوالها، وقدم له معلومات جغرافية وسياسية عن تلك البلاد.

أما تيمور فكان يسأل عن العالم الذي يعرفه ابن خلدون.

كان يريد أن يعرف البلاد والقبائل والطرق والسلطات.

وفي الوقت نفسه حاول ابن خلدون أن يحصل على الأمان لنفسه ولمن معه، وأن يساعد في التخفيف عن بعض الأسرى.

وقد أفاد ابن خلدون نفسه من هذه التجربة في روايته عن تيمور، فكان لقاؤه به مصدرًا مهمًا لمعلومات مباشرة عن شخصية الفاتح وحملته.

لكن مهما طال الحديث ، كانت هناك حقيقة لا يستطيع الكلام أن يغيرها:

جيش تيمور كان خارج دمشق.

المفاوضات تصل إلى طريق مسدود

بدأت محاولات التوصل إلى اتفاق.

وكان تيمور مستعدًا لإعطاء وعود بالأمان وفق شروط معينة.

وتذكر روايات عن الحصار أن اتفاقًا كان قد اقترب من التحقق، وأن وفدًا من أهل دمشق تفاوض مع تيمور بشأن تسليم المدينة، لكن الاتفاق لم يضع حدًا للمأساة التي وقعت بعد ذلك.

وهنا كان الانقسام داخل دمشق.

فريق يرى أن المقاومة لم تعد مجدية.

وفريق يخشى أن يكون التسليم فخًا.

وفريق آخر يرى أن التفاوض قد ينقذ السكان من القتل.

لكن المشكلة كانت أن دمشق لم تكن تملك قوة عسكرية خارج أسوارها تستطيع أن تفرض شروطها.

فكل المفاوضات كانت تجري من موقع الضعف.

وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها التاريخ قاسيًا:

حين تفاوض مدينةٌ فاتحًا، بينما تعرف أن جيشه يستطيع اقتحامها.

دمشق تفتح أبوابها

في النهاية سقطت المدينة.

دخلت قوات تيمور دمشق في أوائل سنة 1401م.

ولم يكن دخولها نهاية الحصار فقط.

كان بداية فصل أكثر قسوة.

فقد تعرضت المدينة للنهب والقتل والحريق، وتذكر المصادر أن تيمور أمر بإحراق أجزاء من دمشق عند خروجه منها، وأن عددًا كبيرًا من الصناع والحرفيين نُقلوا إلى سمرقند.

وهنا يجب أن نتوقف عند مسألة مهمة.

كثير من الروايات التاريخية تورد أعدادًا ضخمة جدًا للقتلى، وبعضها يذكر عشرات الآلاف.

لكن المؤرخ الحديث لا يستطيع التعامل مع كل هذه الأرقام على أنها إحصاءات دقيقة.

فالمصادر الوسيطة كثيرًا ما استخدمت الأعداد الكبيرة للتعبير عن ضخامة الكارثة.

أما الثابت فهو أن المدينة تعرضت لنهب شديد، وأن عددًا كبيرًا من أهلها وصناعها تعرضوا للقتل أو الأسر أو الترحيل.

لم يأخذ تيمور الذهب وحده

كانت المدن بالنسبة إلى تيمور أكثر من خزائن.

كان يعرف أن هناك ثروة أخرى لا تقل قيمة عن الذهب:

الإنسان الذي يعرف كيف يصنع.

فدمشق اشتهرت بالحرف والصناعات.

وكان فيها صناع مهرة في المعادن والمنسوجات والأعمال الفنية وغيرها.

ولذلك ارتبطت حملات تيمور بسياسة نقل الحرفيين إلى سمرقند، عاصمته، للاستفادة من خبراتهم في بناء مركز إمبراطوري جديد. وتذكر المصادر أن الحرفيين الدمشقيين كانوا من بين الذين نُقلوا إلى سمرقند بعد سقوط المدينة.

وهكذا يمكن أن تخسر مدينة الحرب بطريقتين:

أن تفقد رجالها في القتال ،

وأن تفقد رجالها الذين يحملون أسرار صناعتها.

الأولى تقتل الجسد.

والثانية تستنزف المستقبل.

المسجد الأموي في قلب العاصفة

ثم وصل الخراب إلى واحد من أشهر معالم المدينة:

المسجد الأموي.

كان المسجد رمزًا يتجاوز دمشق نفسها.

بُني في العصر الأموي، وأصبح من أعظم مساجد العالم الإسلامي.

لكن الحرب لم تترك حتى هذا المكان خارج دائرة الخطر.

وتذكر المصادر أن حريقًا أصاب المسجد الأموي في أثناء الكارثة التي لحقت بدمشق في مارس 1401م، مع دمار أصاب أجزاء أخرى من المدينة.

وهنا يصبح المشهد شديد القسوة.

مدينة من أقدم مدن العالم.

ومسجد يحمل ذاكرة قرون.

وأسواق وحارات.

وعلماء وصناع.

كل ذلك أصبح في مواجهة جيش جاء من آلاف الأميال.

برج من الرؤوس

ارتبط اسم تيمور في المصادر التاريخية باستخدام سياسة الرعب بعد سقوط المدن.

وفي دمشق أيضًا تذكر الروايات أن رؤوس القتلى جُمعت وأقيمت منها أبراج خارج المدينة.

وقد ارتبط أحد مواضع دمشق لاحقًا باسم برج الرؤوس.

لكن هنا أيضًا ينبغي الحذر من الأرقام التفصيلية التي تختلف بين الروايات.

فالصور التي نقلتها المصادر عن هذه الأبراج تهدف إلى وصف حجم الرعب الذي صاحب الحملة، لكن الأعداد الدقيقة لا يمكن إثباتها بسهولة.

والأهم من الرقم أن تيمور كان يستخدم الرعب وسيلة سياسية.

فالمدينة التي تستسلم بعد رؤية ما حدث لجارتها قد توفر عليه حصارًا جديدًا.

والمدينة التي تقاوم تعرف أن ثمن المقاومة قد يكون مضاعفًا.

كان الرعب جزءًا من الحرب.

ابن خلدون يعود

بعد لقائه تيمور، عاد ابن خلدون إلى دمشق.

وكان قد رأى شيئًا لم يكن يمكن لكتاب أن ينقله إليه.

رأى دولة تتفكك أمامه.

ورأى مدينة عظيمة تفقد حمايتها.

ورأى كيف يمكن أن تتحول السياسة إلى مأساة عندما يعجز مركز الدولة عن حماية أطرافها.

ثم عاد إلى مصر.

وبقيت شهادته واحدة من أهم المصادر التي نملكها عن تلك اللحظة.

ومن المفارقات أن الرجل الذي قضى حياته يشرح قوانين العمران والدولة، عاش بنفسه لحظة من أكثر لحظات انهيار العمران وضوحًا.

لقد كان يرى أمامه شيئًا قريبًا جدًا مما كتبه قبل سنوات:

الدولة لا تسقط يوم يقتحم العدو سورها فقط.

قد تبدأ بالسقوط قبل ذلك بكثير.

عندما تتفكك القيادة.

وعندما تتصارع النخب.

وعندما تصبح مصلحة الأمير أهم من مصلحة الدولة.

وعندما يصبح السلطان مشغولًا بعرشه أكثر من حدود بلاده.

تيمور لا يبقى في دمشق

بعد أن حقق هدفه في الشام، لم يبق تيمور هناك طويلًا.

غادر دمشق في مارس 1401م متجهًا شرقًا.

وكان قد ترك وراءه مدينة منهكة.

لكن لماذا لم يتجه بعدها مباشرة إلى مصر؟

هذا السؤال مهم.

فمصر كانت القوة الكبرى التي بقيت خارج سيطرته.

والطريق إليها لم يعد مستحيلًا.

لكن تيمور لم يكن بحاجة إلى احتلال كل أرض يدخلها.

كان يستطيع أن يهزم الدولة، ويضرب مركزًا حضاريًا، وينقل ثرواتها وصناعها، ثم يواصل مشروعه الإمبراطوري في اتجاه آخر.

والآن كان هناك هدف آخر ينتظره:

الأناضول.

هناك كان السلطان العثماني بايزيد الأول يبني قوة ضخمة.

وكان الصدام بين الرجلين يقترب.

وفي سنة 1402م سيلتقي تيمور وبايزيد في واحدة من أشهر معارك العصور الوسطى:

معركة أنقرة.

لكن قبل أن نذهب إلى أنقرة، علينا أن نعود إلى القاهرة.

لأن مصر لم تخرج من قصة دمشق كما دخلتها.

فالسلطان فرج عاد إلى عرش مهدد.

والأمراء عرفوا أن الدولة لم تعد كما كانت.

والشام، التي كانت قبل سنوات جزءًا من القوة المملوكية، خرجت من الحملة مثقلة بالدمار.

من وراء الستار…

سقوط دمشق أمام تيمور لم يكن مجرد هزيمة عسكرية.

كان درسًا في معنى الدولة.

المماليك كانوا قد هزموا المغول في عين جالوت سنة 1260م.

ثم حافظوا على الشام ومصر أكثر من قرن.

لكن بعد ذلك بأكثر من مائة وأربعين عامًا، دخل جيش تيمور إلى دمشق.

فهل يعني ذلك أن المماليك أصبحوا أضعف عسكريًا؟

ليس بهذه البساطة.

المشكلة كانت أعمق.

كانت في الانقسام السياسي.

في ضعف السلطان الشاب.

في تنازع الأمراء.

وفي المسافة الهائلة بين القاهرة والشام عندما تحتاج المدينة إلى قرار سريع.

أما تيمور، فقد جاء بجيش اعتاد الحركة السريعة، وبقيادة مركزية، وبمشروع توسعي واضح.

ولذلك لم يكن سقوط دمشق نتيجة قوة السيف وحدها.

كان نتيجة اجتماع قوتين:

قوة مهاجمة تعرف ماذا تريد…

ودولة مدافعة لم تكن تعرف كيف توحد قوتها في اللحظة المناسبة.

لكن قصة تيمور لم تنتهِ في دمشق.

بل كانت دمشق مجرد محطة في طريقه.

فبعد أن خرج من الشام، اتجه نحو الأناضول.

وهناك كان ينتظره رجل آخر.

رجل استطاع أن يبني واحدة من أقوى الدول الصاعدة في العالم الإسلامي.

وكان اسمه:

بايزيد الأول.

وفي سنة 1402م سيلتقي الرجلان.

وسيكتشف العثمانيون أن الجيش الذي لم تستطع دمشق أن توقفه، يمكن أن يواجه عدوًا جديدًا.

حين انكسر بايزيد أمام تيمور.

 

زر الذهاب إلى الأعلى