قراءة تحليلية في كتاب دقات ودقائق للكاتبة: ابتهال الدسوقي.
بقلم: إسراء محمد
كان يا مكان
في زمن لا يقاس بالساعات بل بالمشاعر وفي حياة لا تحكى أحداثها الكبيرة بقدر ما تحكى تفاصيلها الصغيرة كانت هناك فتاة تمشي في طريق الأيام مثلنا تماما لم تكن بطلة خارقة ولا صاحبة مغامرات صاخبة لكنها كانت تمتلك شيئا أخطر وأعمق قلبا يلاحظ وروحا تتوقف طويلا أمام اللحظات التي يمر بها الآخرون سريعًا. كانت ترى في كل موقف حكاية وفي كل صدفة معنى وفي كل دقة من دقات الحياة رسالة خفية لا يسمعها إلا من يقترب قليلا من نفسه كانت تؤمن أن الحياة لا تقاس بعدد السنين بل بعدد اللحظات التي توقظ فينا الدهشة أو الوجع أو الفهم…
من هنا تبدأ الحكاية, حكاية كتاب «دقّات ودقائق» للكاتبة ابتهال الدسوقي. ذلك الكتاب الذي لا يشبه كتابًا تقليديًا يقرأ ثم يغلق, بل يشبه نافذة تفتح فجأة على الداخل الإنساني على تلك المنطقة الحساسة داخلنا التي قد نغفل عنها طويلًا حتى يأتي نص صادق فيوقظها. حين تبدأ قراءة هذا الكتاب تشعر وكأنك لا تقرأ قصصًا منفصلة, بل تمشي في ممر طويل من الذكريات الإنسانية, كل نص فيه يشبه لحظة التقطتها الكاتبة من الحياة, ثم وضعتها أمامنا لنراها بوضوح أكبر. هي لا تكتب أحداثا ضخمة أو درامية بالمعنى التقليدي, لكنها تفعل ما هو أصعب بكثير, تكتب اللحظة العادية عندما تكشف لنا فجأة عمقها الخفي..
وهنا تكمن قوة هذا الكتاب
فالحياة – كما نعيشها يوميًا – مليئة بالدقات والدقائق لكننا غالبًا لا ننتبه لها, تمر بنا المواقف ونمضي, نضحك قليلًا, نحزن قليلًا, ثم نكمل الطريق. لكن ابتهال الدسوقي تفعل شيئًا مختلفًا تمامًا, هي تتوقف تنظر جيدًا, تحاول أن تفهم ما وراء اللحظة, ثم تعود لتكتبها لا كما حدثت فقط, بل كما شعرت بها.
ومن أولى الحكايات التي تكشف روح هذا الكتاب قصة «اللصوص والبيض». قد تبدو في ظاهرها موقفًا بسيطًا من طفولة الكاتبة, خوف من لصوص محتملين, وبيت يسوده التوتر, وأب يحاول حماية بناته, لكن فجأة يتحول المشهد كله إلى مفارقة ساخرة حين يتبين أن مصدر الصوت المرعب لم يكن لصوصًا ولا اقتحامًا, بل بيضة انفجرت بفعل الحرارة والتوتر والضغط
الموقف, يضحك نعم, لكنه في الوقت نفسه يفتح بابًا للتأمل العميق. فالكاتبة لا تكتفي بسرد الحكاية بل تلتقط منها فكرة مؤلمة. كم من الأشياء في حياتنا تشبه تلك البيضة؟, كم من مشاعر مكبوتة داخلنا تتحمل الضغط طويلًا حتى تأتي لحظة تنفجر فيها فجأة؟. إنها لحظة صغيرة في بيت عادي, لكنها تتحول في يد الكاتبة إلى استعارة للحياة كلها, إلى درس بسيط يقول إن الصمت الطويل أحيانًا لا يعني السلام, بل قد يكون مجرد ضغط يتراكم في الداخل. وهنا تظهر مهارة الكاتبة الحقيقية قدرتها على تحويل التفاصيل اليومية إلى أسئلة إنسانية عميقة, لكن إذا كانت بعض نصوص الكتاب تترك فينا ابتسامة خفيفة فإن نصوصًا أخرى تترك أثرًا مختلفًا تمامًا, أثرًا يشبه الصدمة الصامتة.
ومن أكثر النصوص التي تجسد ذلك قصة «هل يموت الأطفال؟». هذا النص تحديدا لا يمكن قراءته بسهولة. الكاتبة تحكي موقفًا مر بها حين ذهبت لتطعيم طفلتها الصغيرة لتجد نفسها فجأة أمام مأساة إنسانية, طفلة رضيعة توفيت وأب يحمل جسدها الصغير وأم ينهار عالمها في لحظة واحدة. المشهد قاس لكنه مكتوب بصدق مؤلم. فالكاتبة لا تحاول تجميل الحدث ولا الهروب منه, بل تواجهه بسؤال بسيط لكنه يهز القلب. هل يموت الأطفال؟… هذا السؤال يبدو بريئًا في ظاهره لكنه يحمل داخله صدمة وجودية كاملة فالطفولة في وعينا الإنساني مرتبطة بالبداية بالنقاء بالحياة التي لم تبدأ بعد, وعندما يقتحم الموت هذه المرحلة ينهار شيء في داخلنا شيء كنا نظنه ثابتًا. الكاتبة لا تقدم إجابات فلسفية جاهزة, بل تتركنا نعيش معها لحظة الذهول والارتباك, تلك اللحظة التي يشعر فيها الإنسان فجأة بضعفه الكامل أمام فكرة الفقد.
ثم تمتد الحكاية إلى مساحة أوسع حين تربط الكاتبة هذا الألم الفردي بمشاهد المآسي التي يعيشها أطفال العالم, لتطرح سؤالًا أكثر قسوة: كيف يستطيع الإنسان أن يتجاوز كل هذا الوجع؟. وهنا يظهر جانب آخر من الكتاب بعده الإنساني العميق, فالكاتبة لا تكتب فقط عن نفسها, بل عن الإنسان عمومًا, عن هشاشتنا جميعا أمام الفقد, وعن تلك اللحظات التي تجعلنا نعيد التفكير في معنى الحياة.
اللافت في أسلوب ابتهال الدسوقي أنها لا تعتمد على اللغة المتكلفة أو الزخرفة البلاغية, لغتها بسيطة لكنها صادقة والصدق في الأدب أحيانًا أقوى من أي مهارة لغوية. تشعر وأنت تقرأ, أن الكاتبة لا تحاول إبهار القارئ بقدر ما تحاول أن تكون صادقة مع نفسها. وكأنها تقول هذه هي اللحظة كما عشتها خذها كما هي. وهذا ما يجعل نصوص الكتاب قريبة من القلب.
فالقارئ لا يشعر أنه أمام نص متعمد أو مصطنع, بل أمام إنسان يحكي تجربته بصدق. ومن الجميل أيضًا في هذا الكتاب أنه يتحرك بين المشاعر المختلفة دون افتعال. مرة تجد نفسك تبتسم من مفارقة طريفة, ومرة أخرى تجد قلبك يضيق من مشهد موجع, ومرة ثالثة تتوقف فجأة أمام فكرة لم تخطر ببالك من قبل…
وهذا التنقل بين الضحك والألم هو في الحقيقة انعكاس للحياة نفسها. فالحياة ليست لونًا واحدًا, بل خليط من المشاعر المتناقضة التي تتجاور داخلنا دون استئذان. في نصوص أخرى من الكتاب نرى الكاتبة تتأمل العلاقات الإنسانية تفاصيل العمل, الذكريات القديمة, وحتى الأشياء الصغيرة التي تبدو بلا أهمية لكنها دائمًا تعود بنا إلى السؤال نفسه: ماذا تعني هذه اللحظة فعلًا؟… وهنا نكتشف أن «دقات ودقائق» ليس مجرد مجموعة قصصية أو خواطر متفرقة, بل محاولة لالتقاط نبض الحياة في شكل كلمات…
إنه كتاب عن الإنسان, عن خوفه حين يطرق الباب صوت مجهول في الليل, وعن ضحكه حين يكتشف أن الخوف كان وهمًا,
وعن انكساره حين يرى طفلًا يغادر الحياة قبل أن تبدأ, وعن حيرته الدائمة أمام الأسئلة التي لا إجابة لها. ما يميز هذا العمل أيضا هو تلك الروح التأملية التي تسري بين سطوره. فالكاتبة لا تتعامل مع الأحداث كوقائع فقط, بل كفرص للفهم كل موقف يحمل في داخله فكرة وكل تجربة تترك أثرا في النفس. وهذا ما يجعل القارئ يشعر أن الكتاب يخاطبه شخصيًا. لأننا جميعًا مررنا بلحظات مشابهة. ربما ليست نفسها, لكننا نعرف هذا الإحساس, إحساس أن الحياة أحيانًا تتوقف لحظة لتسألنا سؤالًا كبيرًا…
ومن بين السطور يمكن أن نرى ملامح شخصية الكاتبة نفسها, إنها شخصية حساسة, وملاحظة تميل إلى التأمل أكثر من الضجيج. تكتب عن الحياة من الداخل لا من سطحها. وهذا النوع من الكتابة نادر في زمن السرعة, فنحن نعيش اليوم في عالم يمضي بسرعة كبيرة, حتى صرنا نخاف من التوقف, لكن هذا الكتاب يدعونا إلى العكس تمامًا, أن نتوقف قليلًا وأن ننظر و أن نفهم, وربما لهذا السبب يحمل عنوان “دقات ودقائق” معنى عميقًا. فالدقات هي نبض الحياة, والدقائق هي تلك اللحظات الصغيرة التي تشكل عمرنا كله دون أن نشعر… إنه كتاب يذكرنا بأن حياتنا ليست مجرد سنوات تمر بل آلاف اللحظات التي نعيشها كل يوم بعضها يمر بلا أثر وبعضها يترك فينا ندبة أو ابتسامة لا تزول.
وفي النهاية بعد أن تغلق هذا الكتاب قد لا تتذكر كل القصص بالتفصيل, لكنك بالتأكيد ستتذكر الإحساس الذي تركته فيك,
ستتذكر تلك الفكرة البسيطة التي تقول: إن الحياة ليست فقط ما يحدث لنا, بل ما نفهمه مما يحدث. وهذا ربما هو أجمل ما في هذا العمل. أنه لا يقدم دروسًا مباشرة, بل يترك للقارئ مساحة ليكتشف المعنى بنفسه. لهذا, أستطيع أن أقول إن “دقات ودقائق” ليس كتابًا يقرأ مرة واحدة وينتهي, بل كتاب يمكن أن تعود إليه في أوقات مختلفة من حياتك, وفي كل مرة ستجد فيه معنى جديدًا, لأنك أنت نفسك ستكون قد تغيرت. فالكتب الحقيقية لا تكبر وحدها بل تكبر معنا…
وفي ختام هذه الرحلة بين صفحات هذا العمل يمكن القول إن ابتهال الدسوقي قدمت نصوصًا صادقة, تشبه نبض الإنسان حين يكون وحده مع نفسه, نصوصًا لا تعتمد على الضجيج ولا على الإثارة, بل على شيء أعمق بكثير. الصدق الإنساني.
ذلك الصدق الذي يجعل القارئ يشعر أن الكلمات ليست مكتوبة بالحبر فقط, بل بالتجربة والوجع والدهشة وهكذا. بين دقة تمر سريعًا ودقيقة تتوقف فيها الحياة قليلًا تمضي الكاتبة في حكيها, وتترك لنا نحن القراء فرصة أن نصغي جيدًا لعلنا نسمع في تلك الدقات صدى قلوبنا نحن أيضًا…

إسراء محمد.





