رشا الجزار: الاقتصاد الأزرق بوابة المستقبل لتحقيق التوازن بين التنمية وحماية البيئة البحرية
متابعة : محمد غزال
أكدت الخبيرة التربوية الدكتورة رشا الجزار أن العالم يشهد اليوم تحولات بيئية متسارعة لم تعد معها قضايا المناخ والموارد الطبيعية موضوعًا ثانويًا أو قابلًا للتأجيل، بل أصبحت في صميم الأمن الإنساني والتنمية المستدامة، مشيرة إلى أن مفهوم “الاقتصاد الأزرق” بات يمثل أحد أهم المداخل الحديثة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والبيئة البحرية على أسس علمية مستدامة.
وأوضحت رشا الجزار في تصريح لـها أن البحار والمحيطات لم تعد تُنظر إليها باعتبارها مجرد موارد طبيعية مفتوحة، بل باعتبارها منظومة بيئية حيوية شديدة الحساسية والتعقيد، تلعب دورًا محوريًا في تنظيم المناخ العالمي عبر امتصاص ثاني أكسيد الكربون والمساهمة في تحقيق التوازن الحراري لكوكب الأرض، إلا أنها حذرت في الوقت ذاته من أن هذه المنظومة تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة الاحتباس الحراري، وما يترتب عليه من ارتفاع درجات حرارة المياه، وتحمّض المحيطات، وتراجع التنوع البيولوجي.
وأضافت “الجزار” أن هذه التحديات البيئية لا تقف عند حدود البيئة البحرية فقط، بل تمتد آثارها إلى الأمن الغذائي العالمي واستقرار الاقتصاديات الوطنية، خصوصًا في الدول ذات الامتداد الساحلي، وهو ما يجعل من تطوير نماذج اقتصادية جديدة أمرًا بالغ الضرورة وليس مجرد خيار تنموي.
وفي هذا السياق، شددت على أن “الاقتصاد الأزرق” يمثل تحولًا نوعيًا في الفكر التنموي الحديث، حيث لا يقتصر على الأنشطة التقليدية مثل الصيد والنقل البحري، بل يمتد ليشمل مجالات أكثر تطورًا مثل الطاقة المتجددة البحرية، والتكنولوجيا الحيوية البحرية، والسياحة البيئية المستدامة، بما يعكس انتقالًا واضحًا من منطق الاستهلاك غير الرشيد إلى منطق الإدارة المستدامة للموارد.
وأشارت إلى أن الاهتمام الدولي بهذا المفهوم يتزايد بشكل ملحوظ، خاصة في إطار أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وما تضمنته من أهداف تتعلق بحماية الحياة تحت الماء، فضلًا عن ما أفرزته مؤتمرات المناخ الدولية، وعلى رأسها مؤتمر COP27، من تأكيدات على أهمية دمج البعد البحري في استراتيجيات مواجهة التغير المناخي، وتعزيز دور الدول الساحلية في هذا الإطار.
وفيما يتعلق بالسياق المصري، أكدت على أن مصر تمتلك مقومات استراتيجية تؤهلها لتكون لاعبًا رئيسيًا في مجال الاقتصاد الأزرق، بفضل موقعها الجغرافي الفريد على البحرين الأحمر والمتوسط، إضافة إلى قناة السويس التي تمثل أحد أهم الممرات الملاحية العالمية. وأوضحت أن هذه المقومات تفتح آفاقًا واسعة للاستثمار في مجالات الطاقة البحرية، والاستزراع السمكي المستدام، والسياحة البيئية، وتطوير الموانئ الذكية.
غير أنها شددت في الوقت نفسه على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفر الإمكانيات، وإنما في القدرة على تحويل هذه الإمكانيات إلى سياسات تنفيذية فعالة، من خلال دعم البحث العلمي، وتطوير البنية التشريعية، وتعزيز الابتكار التكنولوجي، إلى جانب رفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية حماية البيئة البحرية.
واختتمت تصريحها بالتأكيد على أن مواجهة التغيرات المناخية لم تعد ممكنة عبر حلول جزئية أو تقليدية، بل تتطلب تبني نماذج تكاملية شاملة، يأتي في مقدمتها الاقتصاد الأزرق، باعتباره رؤية مستقبلية تسعى لتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحدود القدرة البيئية للكوكب.
وختمت قائلة: إن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد فقط على امتلاك المعرفة العلمية، بل على القدرة على تحويل هذه المعرفة إلى سياسات واقعية قابلة للتطبيق، تضمن مستقبلًا أكثر استدامة وعدالة للأجيال القادمة.





