
خلف الشاشات الزرقاء مقابر جماعية للقلوب
بقلم / الكاتب جواد الحسناوي
أكبر كذبة نعيشها اليوم هي أن وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة جعلت البشر أكثر قرباً وتراحماً.
الحقيقة أننا نغرق في بحر من “المعارف” ونموت عطشاً وجفافاً من قلة الاهتمام الحقيقي والإنصات الصادق. نجلس في المقاهي والمطاعم على طاولة واحدة، لكن عيوننا مشدودة نحو الشاشات الزرقاء، نبحث عن إعجاب من شخص غريب في قارة أخرى، في الوقت الذي ندير فيه ظهورنا لمن يشاركنا تفاصيل اللحظة والمكان ويجلس معنا في نفس الجلسة والحياة اليومية.
هذا البرود الإنساني جعل البيوت باردة رغم وجود التدفئة وجعل القلوب خاوية رغم امتلاء الجيوب بالمظاهر الجوفاء.
صرنا نتبادل التهاني في المناسبات بـ “نسخ ولصق” لرسائل جاهزة خالية من الروح ونعزي بعضنا بملصقات جامدة، ونظن أننا أدينا الواجب الاجتماعي والانساني.
المشكلة أن النفس البشرية لا تتغذى على الشكليات، بل تفتقر إلى الكلمة الطيبة والمواساة الصادقة والالتفاتة الدافئة لتعيد إليها طمأنينتها وسلامها الداخلي….
تجد الشخص يملك آلاف الأصدقاء والمتابعين في العالم الافتراضي لكنه حين يمر بأزمة نفسية أو وعكة صحية لن يجد يداً واحدة تمتد لتمسح على رأسه وتخفف عنه أوجاعه إلا إذا التفت بصدق إلى عائلته وبيته …فهي اليد الحقيقية التي سيجدها دائماً عند من يعيش معهم ويقاسمونه السقف نفسه. هذا الانفصام بين الواقع والافتراض خلق جيلاً من المكتئبين الصامتين الذين يبتسمون للكاميرات ويبكون خلف الأبواب المغلقة.
العلاقات لم تعد سنداً بل تحولت إلى استعراض ومقارنات مستمرة دمرت البساطة والقناعة في قلوب الناس وجعلت الجميع يلهث خلف سراب لا وجود له. الالتفات لتفاصيل من نحب وشعورنا بملامح حزنهم قبل كلامهم هو الأوكسجين الحقيقي الذي يبقي على إنسانيتنا في زمن تحول فيه البشر إلى مجرد أرقام وحسابات جافة.





