المراة و منوعات

تجليات المرأة في الدراما: بين الضحية والمضحية

تجليات المرأة في الدراما: بين الضحية والمضحية

بقلم: هويدة عبد العزيز

حين نتحدث عن الدراما، ولا سيما المصرية، فإننا لا نعني مجرد سردٍ لحكايات مأساوية، ولا صورًا بصرية عابرة تمرّ أمام أعيننا كما يمرّ خيطُ دخانٍ في فضاء الريح. الدراما فعلُ إبحارٍ عميق في جوهر التجربة الإنسانية؛ لحظة يُعرَّى فيها الإنسان من زيفه، فتتهاوى قناعاته وتنهار دفاعاته، ليجد نفسه وجهًا لوجه أمام مرايا ذاته.

إنها النقطة الفاصلة التي تذوب عندها الحدود بين النص والحياة، وتنصهر فيها المشاعر بين الممثل والمشاهد، حتى لا تدري أيهما صاحب الشهد وأيهما صاحب الدموع

هي اللحظة التي تتلاشى فيها المسافة بين خشبة المسرح وعتبة الواقع، فيغدو الخيال واقعًا، ويتحوّل المستحيل إلى ممكن .

وعندئذٍ، نتجاوز المفهوم الضيق للدراما بوصفها متعةً بصرية، لتغدو طقسَ اعتراف، وساحةَ مواجهة، وندبةً حيّة تذكّرنا بأن الدم لا يزال يجري في عروقنا كلما لامس شيئًا غامضًا في أعماقنا .

في مسلسل “النوة”، يضعنا المخرج محمد فاضل أمام شخصية استثنائية كتبها أسامة أنور عكاشة بحرفية نادرة. وحين أتحدث عن عكاشة، فأنا أتحدث عن عبقرية الشخصية الدرامية حين تتحول من نموذج فني إلى نموذج فكري وأخلاقي يُحتذى به .

كيف لمبدعٍ أن يحرّك شخصية تنبض بالحياة والبساطة والعمق في آنٍ واحد؟ شخصية لا تقف عند حدود الحركات والسكنات، بل تتجاوزها لتصبح أيقونة إنسانية ومرآة كونية تتكرر في كل بيت وعصر؟

إن “سوكة” لم تكن مجرد امرأة سكندرية، بل فنارةً راسخةً في مهبّ الريح والزمن. تتلقى الضربات في صدرها فلا تترنح، تمنح الآخرين معنًى وقيمةً للثبات، حتى وإن بدا عليها الوهن والعجز والخذلان .

في بعدها الرمزي والعرفاني، تبدو أشبه بـ”زُهرية” تمسك بجذورها في الصخر، لكنها تفيض بعطرها في العاصفة. زهرية تجمع بين اللين والصلابة، بين النور والظلام، لتحقق المعادلة الصعبة في الموازنة بين تناقضات العائلة: لتعيد التوازن بين المحب والحاقد، بين المساند الصادق ومَن يثقل كاهلها بلامبالاته وغطرسته .

 

ومع ذلك، تتقدّم حين يتراجع الآخرون، وتجود بنفسها عن طيب خاطر، دون أن تنتظر شكرًا أو عرفانًا، لأنها تدرك أن قوتها ليست امتيازًا للتفاخر أو رخصةً لفرض السلطة، بل واجبًا وجوديًا أملاه عليها قدرُها، كما تُملَى عليها الأنفاس والنبضات.

في قلب كل بيت، وفي أعماق كل إنسان، تسكن “سوكة” صغيرة أو كبيرة؛ تلك التي تحمل هموم الجميع على كتفيها، كأنها جذعُ شجرةٍ صلب لا يتزحزح؛ تستوعب العاصفة بصمتها وحكمتها، وتبقى راسخة رغم ثقل العالم.

في قلب كلٍّ منا “سوكة”: امرأةٌ تُحب بصمت ولا تجاهر بعاطفتها، تحبس ألمها في صدرها خشية أن يتلوث قلبُها النقيّ بضجيج العالم. وهي أيضًا المرأة التي تقابل القسوة بالصبر، والخذلان بالأمان والدعم، والجحود بالصفح والعرفان.

“النوة”، في معناها الفني، لم تكن مجرد هبّة بحرية تثير اضطراب البحر وتعصف بالمدينة، بل مادةً تختبر من خلالها تفاعلات البشر أمام عواصف الحياة؛ حيث يثبت البعض وينهار آخرون. والبطولة هنا لا تكمن في النجاة وحدها، بل في كونك شاهدًا على أن التضحية طاقة تُبتذل ولا تفنى، وأن الثبات في وجه المحن أسمى قدرًا من أيّ مظاهر زائفة للبطولة.

لم تكن “النوة” خلفيةً للأحداث فحسب، بل مرآةً كشفت جوهر الشخصيات والعواصف الداخلية التي تجتاحها؛ إذ إن العاصفة لا تضرب الشواطئ فقط، بل تكشف معادن البشر، وتسقط الأقنعة حين يتداعى البنيان. إنها تطهيرٌ يسبق التمكين، يعيد للكون توازنَه حين يُنقّي النفوس من أدران الحياة .

ومن يكتفي بالنظرة السطحية قد يرى “سوكة” مجرد ضحية مستنزفة فقدت السند والأهل وتحملت ما لا يُحتمل، بينما لذوي البصائر يتجلى الفارق و البون الشاسع بين الضَّحية والمُضحية.

فالضحية تُساق بلا حول ولا قوة، أما المضحية فتختار بوعي أن تكون الجدار الأخير الذي تتكئ عليه الأسرة. لم تُسحق تحت رحمة الظروف، بل حوّلتها إلى ساحة مقاومة تُثبت فيها ذاتها وتحارب نيابة عن الجميع.

لذلك، لا يمكن حصرها في خانة النسوة المقهورات الخانعات، بل هي أيقونةٌ للمرأة التي تقاوم التيار رغم شدته، وتحوّل العاصفة إلى مدرسةٍ للثبات بعزيمةٍ صادقةٍ ويدٍ من حديد .

إنها قوةُ الإرادة الخفية التي تصنع في الآخرين معنى البقاء، حتى لو انطفأت شمعةُ عمرها، تاركةً وراءها بوصلةً لا تحيد عنها دروب التائهين والحائرين، ونورا يرشدهم نحو مرافئ الأمان والسلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى