نبيل أبوالياسين : أوروبا تدين مستوطني الضفة.. ومصر تحذر من انفصال غزة
نبيل أبوالياسين : أوروبا تدين مستوطني الضفة.. ومصر تحذر من انفصال غزة
نبيل أبوالياسين : أوروبا تدين مستوطني الضفة.. ومصر تحذر من انفصال غزة
في مشهدٍ يعكس معاناة يومية يعيشها الفلسطينيون، تجلس الحاجة فرحة الفراخنة بين أحفادها في قريتها دير جرير شرق رام الله، لا تستطيع الشعور بأمان كامل، خاصة عندما يغيب أحد أبنائها. تزيد مخاوفها بعد أن تعرض زوجها البالغ من العمر 79 عامًا وابنها لهجمة شرسة من مستوطنين أواخر سبتمبر الماضي، واعتقال ابنها لعشرة أيام لأنه دافع عن والده. هذه القصة ليست سوى حلقة في سلسلة معاناة مستمرة يعيشها الفلسطينيون في الضفة الغربية تحت وطأة عنف المستوطنين وتوسع الاستيطان، في مشهد يختزل واقعًا إنسانيًا مأساويًا يمر تحت سمع وبصر العالم .
بيان أوروبي مشترك يدين التصعيد
وأُشير في مقالي إلى ما جاءت به الكلمات الأوروبية القوية والواضحة في بيان مشترك صدر يوم الخميس من أربع دول أوروبية كبرى هي فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة. دان وزراء خارجية هذه الدول “الزيادة الكبيرة” في عنف المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، محذرين من أن هذا التصعيد يهدد الاستقرار ويقوض الجهود المبذولة لتهدئة الأوضاع. وأكد البيان أن هذه الهجمات “تزرع الرعب بين السكان وتعرقل المساعي الجارية لإحلال السلام وضمان الأمن الدائم لدولة إسرائيل نفسها”، مطالبًا بوقف فوري لهذه الاعتداءات .
موقف مصر الثابت من الوحدة الفلسطينية
من ناحية أخرى، أكد الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية المصري خلال لقائه مع الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، على وحدة الأراضي الفلسطينية بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ورفضت مصر بأشد العبارات أي إجراءات من شأنها تكريس الانفصال بين الضفة الغربية وغزة أو تقويض فرص حل الدولتين على الأرض. وشدد المسؤول المصري على تمسك بلاده بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، في موقف يؤكد الثوابت المصرية الراسخة تجاه القضية الفلسطينية.
الأمم المتحدة: أرقام صادمة وتصعيد غير مسبوق
وألفت إلى ما أشارت إليه تقارير الأمم المتحدة إلى منحى خطير في التصعيد، حيث سجل مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” 264 هجومًا للمستوطنين في أكتوبر الماضي فقط، وهو أكبر عدد من الهجمات في شهر واحد منذ بدء تسجيل مثل هذه الحوادث عام 2006. وأفاد متحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأن القوات الإسرائيلية والمستوطنين قتلوا 1017 فلسطينيًا في الضفة الغربية بين 7 أكتوبر 2023 و13 نوفمبر 2025، بينهم 221 طفلاً. كما بلغ عدد الأطفال الفلسطينيين الذين قتلوا على يد القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية 42 طفلاً هذا العام وحده، أي أن واحدًا من كل خمسة فلسطينيين قتلوا كان طفلاً .
معاناة إنسانية: عائلات بين المطرقة والسندان
تكشف قصة عائلة الفراخنة عن جانب من المعاناة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون تحت وطأة عنف المستوطنين. فبعد الهجوم على العائلة، سرق المستوطنون 35 رأسًا من الغنم تقدر قيمتها بـ49 ألف دولار، بالإضافة إلى سرقة معدات خاصة بحراثة الأرض وألواح وبطاريات طاقة شمسية. وعبر الحاج صادق الفراخنة عن مرارته بقوله: “لو أنني مسؤول لكانت كلمتي، لكن لا أقول إلا ما أُخذ بالقوة لا يرجع إلا بالقوة، ولن أترجى أحدا.. إذا كان غريمك القاضي، لمن تشتكي؟” . هذه المعاناة تتفاقم تحت حماية عسكرية إسرائيلية، حيث يروي خيري الفراخنة كيف أن الضابط الإسرائيلي قال له: “ممنوع تدافع عن نفسك، تأتي وتشتكي لنا ونحن نتصرف” .
استهداف منهجي للحياة المدنية
أؤكد في مقالي على أنه يشكل الاستيطان واستهداف المدنيين الفلسطينيين وجهين لعملة واحدة، حيث يواصل المستوطنون اعتداءاتهم على مختلف جوانب الحياة. ففي يوم الجمعة فقط، هدم مستوطنون منزلاً قيد الإنشاء في خربة واد الرخيم ببلدة يطا جنوب الخليل، وهاجموا رعاة الأغنام في قرية مخماس شمال شرق القدس المحتلة، وأجبروهم على مغادرة المكان تحت تهديد السلاح. كما هاجم مستوطنون كشكًا تجاريًا بين بلدتي دير جرير وسلواد شرق رام الله، وحطموا محتوياته قبل أن يصدهم شباب فلسطينيون . هذه الهجمات لم تعد مجرد أععار عنف فردية، بل أصبحت منهجية ممنهجة تهدف إلى تهجير الفلسطينيين قسرًا من أراضيهم.
كلمات ومواقف.. أما الأفعال؟
وأختم مقال بالقول : عندما بدأ العدوان على غزة، قلنا إن الأطماع لا تقف عند غزة فقط، بل تشمل جميع الأراضي الفلسطينية وبعض أراضي دول الجوار. قلنا إن “حماس” مجرد ذريعة لتبرير القتل والإبادة والتجويع في غزة. واليوم، ها نحن نشاهد ويشاهد العالم بأسره ما يحدث في الضفة الغربية: إعدامات ميدانية وتشريد واستيلاء على الأراضي واعتداءات متكررة من المستوطنين بحماية الشرطة الإسرائيلية. ما نشاهده من تنديدات دولية مجرد مسكن للرأي العام العالمي، ويتساءل الجميع لماذا لا يتم فرض عقوبات قاسية على “الاحتلال النازي”؟ لقد شاهدنا وشاهد العالم وابلًا من العقوبات على روسيا عندما اعتدت على أوكرانيا، فهل أصبحنا نكيل بمكيالين؟ والى متى تستمر ازدواجية المعايير عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين؟ إن البيان الأوروبي وموقف مصر وغيرهما من المواقف تبقى خطوات في الاتجاه الصحيح، لكنها تبقى غير كافية في ظل استمرار الآلة الإسرائيلية في البطش والقتل والتهجير. فالكلمات قد تهدئ الضمائر، لكنها لا توقف الرصاص.






