
«قضاة الظل… محاكمة الناس خارج قاعات العدل»
أشرف ماهر ضلع
في كل موسم انتخابي ترتفع الأصوات، وتتبدّل الوجوه، وتتحرك الأقلام، ولكن يبقى صوت واحد أكثر نشازًا من غيره… صوت من نصّبوا أنفسهم قضاة على الناس، يوزّعون صكوك النقاء السياسي، ويصدرون أحكامًا جاهزة على كل من يختار طريقًا يخالف رغباتهم أو يخرج عن سربهم. وكأنهم فوق الخطأ، منزّهون عن الهوى، معصومون من التحول والتبدّل!
ظاهرة عجيبة… فبدل أن يكون النقاش حول برامج ورؤى ومستقبل وطن، يتحول إلى ساحات تفتيش نيات، ومحاكمات أخلاقية، ومنابر اتهام لكل من اختلف أو غيّر رأيه أو أعاد تقييم مواقفه.
هؤلاء الذين يمنحون أنفسهم حق الحكم على الآخرين، لا يتركون مساحة لحق الإنسان الطبيعي في المراجعة والاعتذار وإعادة الاصطفاف وفق ما يراه صوابًا.
في الانتخابات تظهر النفوس على حقيقتها:
منهم من يخوض المعركة بشرف، ومنهم من يخوضها بوعي، ومنهم — وهؤلاء هم الخطر — من يخوضها بغرورٍ متعاظم، يوزّع الألقاب بين الناس:
هذا منافق… وذاك متحوّل… وذلك باع القضية… وآخر اشترى موقفًا!
يا للعجب! وكأنهم ليسوا أبناء مجتمع واحد، يعيشون نفس الظروف، ويمرّون بنفس التقلبات، ويبحثون — مثل الجميع — عن الأصلح لهم ولبلدهم.
الحقيقة البسيطة التي يتجاهلها هؤلاء:
أن النفس أولى بالمحاسبة من غيرها.
فمن لا ينظر في مرآة ذاته، لن يرى العيب في سلوك غيره إلا مشوّهًا بمعاييره الضيقة.
ومن يقف على منصة الادعاء طوال الوقت، يفقد القدرة على الإصغاء، وعلى الفهم، وعلى التقدير النزيه للناس ومواقفهم.
إن الأخطر في المشهد الانتخابي ليس اختلاف الآراء، بل احتكار الأخلاق، وادعاء امتلاك معيار الوطنية، واتهام الآخرين بلا بيّنة.
فالانتخابات ليست معركة لإثبات الطهارة الشخصية، بل هي مساحة للاختلاف الناضج، ولحرية الاختيار، ولحق كل مواطن في أن يخطئ اليوم ليصيب غدًا… تمامًا كما يفعل أولئك الذين يدّعون العصمة وهم غارقون في بشريتهم.
يا سادة…
الوطن لا يحتاج إلى مزيد من القضاة الوهميين،
بل يحتاج إلى عقول منفتحة،
وصدور واسعة،
وقلوب تعرف أن الاختلاف لا يجرّم أحدًا، وأن التبدّل لا يعني الخيانة، وأن الناس لا تُحاكم على النوايا بل على الأعمال.
فلنتعلم أن نرى أنفسنا قبل أن نحاسب غيرنا،
وأن نصمت قليلًا قبل أن نجلد الآخرين،
وأن نفهم أن الديمقراطية ليست ساحة للتشهير،
بل ساحة للنقاش… والاقتراع… والاختيار الحر.
إن مستقبل الوطن أكبر من ضيق أحكامهم،
وأوسع من مقاييسهم،
وأعمق من نزاعاتهم الصغيرة.



